الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الكتاب القرآن من الأدلة المتفق عليها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولما كان القرآن هو الأصل لجميعها بدأت به مستعينا بالله تعالى فقلت : [ ص: 163 ] ( باب . الكتاب ) القرآن عند العلماء الأعيان . بدليل قول من نزل الفرقان ( { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } - إلى قوله - { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } ) والمسموع واحد ، وبدليل قوله تعالى في آية أخرى { إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } والإجماع منعقد على اتحاد اللفظين ، والكتاب في الأصل جنس ، ثم غلب على القرآن من بين الكتب في عرف أهل الشرع .

( وهو ) أي القرآن ( كلام منزل ) أي نزله السيد جبريل صلوات الله وسلامه عليه ( على ) قلب سيدنا ( محمد ) رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما قال سبحانه وتعالى قل { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } ( معجز بنفسه ) أي مقصود به الإعجاز ، كما أنه مقصود به بيان الأحكام والمواعظ ، وقص أخبار من قص في القرآن من الأمم ، دليل التحدي به ، لقوله سبحانه وتعالى { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } أي فأتوا بمثله ، إن ادعيتم القدرة فلما عجزوا تحداهم بعشر سور لقوله تعالى { قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } فلما عجزوا تحداهم بقوله تعالى { قل فأتوا بسورة مثله } أي من مثل القرآن ، أو من مثل النبي صلى الله عليه وسلم فلما عجزوا تحداهم بدون ذلك لقوله تعالى { أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أي فليأتوا بمثله ( متعبد بتلاوته ) لتخرج الآيات المنسوخة اللفظ سواء بقي حكمها أم لا . لأنها صارت بعد النسخ غير قرآن لسقوط التعبد بتلاوتها . ولذلك لا تعطى حكم القرآن ثم اعلم أنه لما ذكر أن القرآن كلام منزل احتاج إلى تبيين موضوع لفظ الكلام وما يتناوله لفظ الكلام حقيقة أو مجازا . وتسمى هذه المسألة مسألة الكلام ، وهي أعظم مسائل أصول الدين ، وهي مسألة طويلة الذيل ، حتى قيل : إنه لم يسم علم الكلام إلا لأجلها ولذلك اختلف فيها أئمة الإسلام المعتبرين ، المقتدى بهم اختلافا كثيرا متباينا . [ ص: 164 ]

فالقول الأول : هو قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه منهم الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وأتباعه : أن الكلام مشترك بين الألفاظ المسموعة ، وبين الكلام النفسي . وذلك : لأنه قد استعمل لغة وعرفا فيهما . والأصل في الإطلاق الحقيقة ، فيكون مشتركا . أما استعماله في العبارة فكثير نحو قوله تعالى { حتى يسمع كلام الله } { يسمعون كلام الله ثم يحرفونه } ويقال : سمعت كلام فلان وفصاحته ، يعني ألفاظه الفصيحة ، وأما استعماله في المعنى النفسي وهو مدلول العبارة . فكقوله تعالى { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } { وأسروا قولكم أو اجهروا به } وقول عمر رضي الله عنه في يوم السقيفة " زورت في نفسي كلاما " وقول الشاعر :

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

والأصل في الإطلاق : الحقيقة . قال الأشعري : لما كان يسمعه بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت . وذكر الغزالي : أن قوما جعلوا الكلام حقيقة في المعنى مجازا في العبارة وقوما عكسوا ، وقوما قالوا : بالاشتراك .

فهي ثلاثة أقوال ونقلت عن الأشعري . والمعنى النفسي نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم ، ونعني بالنسبة بين المفردين : أي بين المعنيين المفردين ، تعلق أحدهما بالآخر ، وإضافته إليه على جهة الإسناد الإفادي ، بحيث إذا عبر عن تلك النسبة بلفظ يطابقها ويؤدي معناها : كان ذلك اللفظ إسنادا إفاديا ، ومعنى قيام النسبة بالمتكلم : ما قاله الفخر الرازي ، وهو أن الشخص إذا قال لغيره : اسقني ماء فقبل أن يتلفظ بهذه الصيغة قام بنفسه تصور حقيقة السقي وحقيقة الماء والنسبة الطلبية بينهما . فهذا هو الكلام النفسي . والمعنى القائم بالنفس ، وصيغة قوله : اسقني ماء ، عبارة عنه ودليل عنه .

وقال : القرافي كل عاقل يجد في نفسه الأمر والنهي ، والخبر عن كون الواحد نصف الاثنين ، وعن حدوث العالم ونحو ذلك ، وهو غير مختلف فيه ، ثم يعبر عنه بعبارات ولغات مختلفة . فالمختلف هو الكلام اللساني ، وغير المختلف هو الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى . ويسمى ذلك : العلم [ ص: 165 ] الخاص سمعا ; لأن إدراك الحواس إنما هي علوم خاصة أخص من مطلق العلم فكل إحساس علم وليس كل علم إحساسا . فإذا وجد هذا العلم الخاص في نفس موسى المتعلق بالكلام النفسي القائم بذات الله تعالى يسمى باسمه الموضوع له في اللغة ، وهو السماع . انتهى . هذا حقيقة مذهبهم . لكن الأشعري وأتباعه قالوا : القرآن الموجود عندنا حكاية كلام الله تعالى . وابن كلاب وأتباعه . قالوا : القرآن الموجود بين الناس عبارة عن كلام الله تعالى لا عينه .

قال ابن حجر : ورأيت الشيخ تقي الدين عكس عنهما . فجعل العبارة عن الأشعري ، والحكاية عن ابن كلاب . وقال الأشعري : كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال وقراءة كل قارئ . وقال الباقلاني : إنما نسمع التلاوة دون المتلو ، والقراءة دون المقروء . وذهب الإمام أحمد إمام أهل السنة من غير مدافعة رضي الله تعالى عنه وأصحابه ، وإمام أهل الحديث بلا شك محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه ، وجمهور العلماء - قاله ابن مفلح في أصوله في الأمر ، وابن قاضي الجبل - إلى أن الكلام ليس مشتركا بين العبارة ومدلولها ، بل الكلام حقيقة هو الحروف المسموعة من الصوت ، وإلى ذلك الإشارة بقوله ( والكلام حقيقة ) أي المتبادر إلى الذهن عند إطلاقه أنه ( الأصوات والحروف ) قال الشيخ تقي الدين : المعروف عن أهل السنة والحديث : أن الله تعالى يتكلم بصوت ، وهو قول جماهير فرق الأمة . فإن جماهير الطوائف يقولون : إن الله تعالى يتكلم بصوت ، مع تنازعهم في أن كلامه هل هو مخلوق أو قائم بنفسه قديم أو حادث ، أو ما زال يتكلم ( وإن سمي به ) أي يسمى بالكلام ( المعنى النفسي وهو ) أي المعنى النفسي ( نسبة بين مفردين قائمة ) أي تلك النسبة ( بالمتكلم ) وتقدم الكلام على المعنى النفسي ، يعني أنه متى أطلق الكلام على المعنى النفسي ( ف ) إطلاقه عليه ( مجاز ) وهذا عند الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره من أهل السنة .

قال الطوفي : إنما كان حقيقة في العبارة ، مجازا في مدلولها لوجهين : أحدهما : أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام : إنما هو العبارات ، والمبادرة [ ص: 166 ] دليل الحقيقة . الثاني : أن الكلام مشتق من الكلم ، لتأثيره في نفس السامع ، والمؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات ، لا المعاني النفسية بالفعل ، نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة ، والعبارة مؤثرة بالفعل . فكانت أولى أن تكون حقيقة ، وما يكون مؤثرا بالقوة مجاز . قال المخالفون : استعمل لغة وعرفا فيهما . قلنا : نعم ، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه ، وبالمجاز فيما ذكرتموه ؟ والأول ممنوع .

قالوا : الأصل في الإطلاق الحقيقة . قلنا : والأصل عدم الاشتراك ، ثم إذا تعارض المجاز والاشتراك المجرد ، فالمجاز أولى ، ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات ، وكثرة موارد الاستعمال تدل على الحقيقة . وأما قوله تعالى { ويقولون في أنفسهم } فمجاز ; لأنه إنما دل على المعنى النفسي بالقرينة . وهي قوله في أنفسهم ، ولو أطلق لما فهم إلا العبارة . وكذلك كل ما جاء من هذا الباب إنما يفيد مع القرينة .

ومنه قول عمر رضي الله عنه " زورت في نفسي كلاما " إنما أفاد ذلك بقرينة قوله " في نفسي " وأما قوله تعالى " { وأسروا قولكم أو اجهروا به } فلا حجة فيه ، لأن الإسرار نقيض الجهر . وكلاهما عبارة عن أن إحداهما أرفع صوتا من الأخرى ، وأما الشعر : فهو للأخطل . ويقال : إن المشهور فيه :

إن البيان لفي الفؤاد

، وبتقدير أن يكون كما ذكرتم فهو مجاز عن مادة الكلام ، وهو التصورات المصححة له ; إذ من لا يتصور منه معنى ما يقول لا يوجد منه كلام ، ثم هو مبالغة من هذا الشاعر في ترجيح الفؤاد على اللسان . انتهى كلام الطوفي .

ونقل ابن القيم في النونية : أن الشيخ تقي الدين : رد كلام النفس من تسعين وجها .

وقال الغزالي : من أحال سماع موسى كلاما ليس بحرف ولا صوت فليحلل يوم القيامة رؤية ذات ليست بجسم ولا عرض . انتهى .

قال الطوفي : كل هذا تكلف وخروج عن الظاهر ، بل عن القاطع من غير ضرورة إلا خيالات لاغية . وأوهام متلاشية . وما ذكروه معارض بأن المعاني لا تقوم شاهدا إلا بالأجسام . فإن أجازوا معنى قام بالذات القديمة وليست جسما ، فليجيزوا خروج صوت من الذات القديمة وليست جسما ، إذ كلا [ ص: 167 ] الأمرين خلاف الشاهد ، ومن أحال كلاما لفظيا من غير جسم فليحلل ذاتا مرئية من غير جسم ، ولا فرق . ثم قال الطوفي : والعجب من هؤلاء القوم - مع أنهم عقلاء فضلاء - يجيزون أن الله تعالى يخلق لمن يشاء من عباده علما ضروريا ، وسمعا لكلامه النفسي من غير توسط حرف ولا صوت .

وأن ذلك من خاصة موسى عليه السلام ، مع أن ذلك قلب لحقيقة السمع في الشاهد ، إذ حقيقة السمع في الشاهد إيصال الأصوات بحاسة ، ثم ينكرون علينا القول بأن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت قديمين من فوق السماء ، لكون ذلك مخالفا للشاهد فإن جاز قلب حقيقة السمع شاهدا بالنسبة إلى كلامه ، فلم لا يجوز مخالفته للشاهد بالنسبة إلى استوائه وكلامه على ما قلناه ؟ فإن قالوا : لأنه يستحيل وجود حرف وصوت إلا من جسد ووجود في جهة ليس بجسم . قلنا : إن عنيتم استحالته بالإضافة إلى الشاهد .

فسماع كلام بدون توسط صوت وحرف كذلك أيضا ، وإن عنيتم استحالته مطلقا فلا نسلم ، إذ الباري جل جلاله على خلاف المشاهد والمعقول في ذاته وصفاته . وقد وردت النصوص بما قلناه ، فوجب القول به . انتهى .

وقال الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم السجستاني عن قول الأشعري " لما كان سمعه بلا انخراق . وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت " هذا غير مسلم ، ولا يقتضي ما قاله ، وإنما يقتضي أن سمعه لما كان بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا لسان وشفتين وحنك . وأيضا : لو كان الكلام من غير حرف ، وكانت الحروف عبارة عنه ، لم يكن بد من أن يحكم لتلك العبارة بحكم ، إما أن يكون أحدثها في صدر أو لوح ، أو أنطق بها بعض عبيده فتكون منسوبة إليه . فيلزم من يقول ذلك : أن يفصح بما عنده في السور والآي والحروف : أهي عبارة جبريل أو محمد عليهما الصلاة والسلام ؟ وأيضا قوله تعالى " { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وكن حرفان ، ولا يخلو الأمر من أحد وجهين : إما أن يكون المراد بقوله { كن } " التكوين كالمعتزلة ، أو يكون المراد به ظاهره ، وأن الله تعالى إذا أراد إيجاد [ ص: 168 ] شيء قال له { كن } على الحقيقة فيكون .

وقد قال الأشعري : إنه على ظاهره لا بمعنى التكوين . فيكون على ظاهره ، وهو حرفان ، وهو مخالف لمذهبه وإن قال : ليس بحرف صار بمعنى التكوين كالمعتزلة . انتهى . وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجر ، في شرح البخاري في باب كلام قوله " أنزله بعلمه والملائكة يشهدون " والمنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، تلقاه جبريل عن الله عز وجل وبلغه جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبلغه محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمته ، انتهى .

وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف أنهم قالوا : عن القرآن " منه بدأ وإليه يعود " ( والكتابة كلام حقيقة ) لقول عائشة رضي الله عنها " ما بين دفتي المصحف كلام الله " واختلف كلام القاضي وغيره من أئمة أصحابنا في تسمية الكتابة كلاما حقيقة . قال المجد في المسودة عن القاضي أنه قال : إن الكتابة عندنا كلام حقيقة ، أظنه في مسألة الطلاق بالكتابة انتهى

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث