الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم

[ ص: 347 ] فلما تقرر - بما مضى من قدرته تعالى على الثواب والعقاب وخفضه الأرضين ورفعه السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات - أن ليس لأحد غيره أمر ما، وتحرر أن كل أحد في قبضته، تسبب عن ذلك أن يقال: أفمن هو قائم ولما كان القيام دالا على الاستعلاء أوضحه بقوله: على كل نفس أي صالحة وغيرها بما كسبت - يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ وغيرهما - كمن ليس كذلك، مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء [أصلا- ].

ولما كان الجواب قطعا: ليس كمثله شيء، كان كأنه قيل استعظاما لهذا السؤال: من الذي توهم أن له مثلا؟ فقيل: الذين كفروا [ به - ] وجعلوا لله أي الملك الأعظم شركاء ويجوز أن يقدر لـ "من" خبر معناه: لم يوحدوه، ويعطف عليه وجعلوا فكأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ فقيل: قل سموهم بأسمائهم الحقيقية، فإنهم إذا سموهم وعرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو مركز العجز ومحل الفقر، عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم قل لهم: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده أم تنبئونه أي تخبرونه إخبارا عظيما بما لا يعلم وعلمه محيط بكل شيء في الأرض من كونها آلهة ببرهان قاطع.

[ ص: 348 ] أم بظاهر من القول أي بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلمه فليس بشيء، وهذا قريب مما مضى في قوله أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه في أنه لو كان كذلك كان شبهه فيها ظهور ما، وهذه الأساليب منادية على الخلق بالعجز، وصادحة بأنه ليس من كلام الخلق.

ولما كان التقدير: ليس لهم على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر، بنى عليه قوله: بل زين أي وقع التزيين بأمر [من - ] لا يرد أمره على يد من كان للذين كفروا أي لهم، وعبر بذلك تنبيها على الوصف الذي دلاهم إلى اعتقاد الباطل، وهو ستر ما أدى إليه برهان العقل المؤيد بدليل النقل مكرهم أي أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا أن شركاءهم آلهة حقا، وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم، أو أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا [ ص: 349 ] [به الضعفاء] وتمادى بهم الحال حتى اعتقدوه حقا.

ومادة [مكر - ] بأي ترتيب كان: مكر، ركم، رمك، كرم، كمر; تدور على التغطية والستر، فالمكر: الخديعة، قالوا: وهو الاحتيال بما لا يظهر، فإذا ظهر فذلك الكيد، ويلزم منه الاجتهاد في ضم أشتات الأمر لستر ما يراد، فمن الضم المكر الذي هو حسن خدالة الساق أي امتلائها، ويلزم منه خصب البدن ونعمته، وكان منه المكر - لضرب من النبات، والواحدة مكرة، سميت مكرة لارتوائها، أبو حنيفة : المكر من عشب القيظ، وهي عشبة غبراء ليس فيها ورق، وهو ينبت في السهل والرمل - كأنه شبه بالساق لخلوه من الورق أو لأنه لغبرته وتجرده كالمستور، والمكر: طين أحمر يشبه بالمغرة - كأنه سمي بذلك لما فيه من الكدرة، والمكرة من البسر: التي ليست برطبة ولكن فيها لين - كأنها سميت به لكون لونها حينئذ يأخذ في الكدرة; والركم: إلقاء الشيء بعضه على بعض فهو مركوم وركام، وتراكم الشيء - إذا تكاثف بعضه على بعض، وذلك مظنة الخفاء، [ ص: 350 ] والركمة: الطين المجموع وكذا التراب المجموع، وقال: وجز عن مرتكم الطريق - يريد المحجة، لأن ترابها [تلبد فاشتد] تلبده، والرمك والرمكة - بالضم - من ألوان الإبل وهو أكدر من الورقة وهو لون خالطت غبرته سوادا، فهو أرمك - لأنه مظنة لخفاء ما فيه، ومنه اشتقاق الرامك، وهو أخلاط تخلط بالمسك فتجعل سكا، ورمك الرجل بالمقام - إذا أقام به، لأنه يستره بنفسه وأمتعته ويستتر هو فيه، وأرمكت غيري - إذا ألزمته مكانا يقيم فيه، والرمكة: الأنثى من البراذين - فارسي معرب، لأنها تستر أصالة العربي إذا ولدته، ورمكان: موضع معروف - معرفة، ويقال: رمك الرجل - إذا هزل وذهب ما في يده فستر عنه أو صار هو مستورا بعد أن كان بحسن حاله مشهورا، ورمكت البازي والصقر ترميكا - إذا أشرت إليه بالطير لأنك سلبت عنه الستر; واليرموك: مكان به لهب عظيم، يستر ما يكون فيه; والكريم: ضد اللئيم، وهو البخيل المهين النفس، [ ص: 351 ] والخسيس الآباء، فإذا كان شحيحا ولم تجتمع [له - ] هذه الخصال قيل له: بخيل، ولم يقل: لئيم، فالكريم إذن من ستر مساوئ الأخلاق بإظهار معاليها، وتكرم - إذا تنزه عن الدناءة ورفع نفسه عنها، وأصل الكرم في اللغة: الفصل والرفعة، فإذا قالوا: فلان كريم، فإنما يريدون رفيعا فاضلا، فيلزم الكرم ستر العيوب، والله الكريم أي الفاضل الرفيع - كذا قال بعض أهل اللغة، وقيل: الصفوح عن الذنوب، وقيل: الذي لا يمن إذا أعطى، وإذا قالوا: فلان أكرم قومه، فإنما يريدون: أرفعهم منزلة وأفضلهم قدرا، وكل هذا يلزم [منه - ] السخاء وستر الذنوب، ومن هذا قيل: فرس كريم، وشجرة كريمة - إذا كانت أرفع من نظائرها وأفضل،

إني ألقي إلي كتاب كريم أي رفيع شريف - كأنه أطلق هنا على ما فيه مجرد فضل تشبيها بالكريم في جزء المعنى، وكارمت الرجل: فعل كل منا في حق صاحبه مقتضى الكرم، والكرم: شجر العنب ولا يسمى به غيره، والكروم: قلائد تتخذها النساء كالمخانق، لدلالتها على قدر صاحبتها، والكرامة: طبق يوضع على رأس الحب - لأنه غطاءه، ولا يغطى إلا ما له فضل، و[ منه - ] يقولون: لك الحب والكرامة، والكرم: القصير من [ ص: 352 ] الرجال - كأنه شبه بطبق الحب; والكمرة - محركة: طرف قضيب الإنسان خاصة، سميت بذلك لسترها القلفة، ورجل مكمور - إذا قطع الخاتن كمرته، وتكامر الرجلان - إذا تكابرا بأيريهما، وقال في القاموس: وتكامرا: نظرا أيهما أعظم كمرة، والكمري: الرطب ما لم يرطب على شجره، بل سقط بسرا فأرطب في الأرض - كأنه سمي بذلك لأنه يكون أكدر مما يرطب على الشجر، وهو أيضا يشبه الكمرة في تكوينها، والكمري عن ابن دريد: الرجل القصير، كأنه شبه بالرطبة، وقال غيره: وهو اسم مكان.

ولما ذكر تزيين مكرهم، أتبعه الدلالة عليه فقال: وصدوا أي فلزموا ما زين لهم، أو فمكروا به حتى ضلوا في أنفسهم وصدوا غيرهم عن السبيل الذي لا يقال لغيره سبيل وهو المستقيم، فإن غيره جور وتيه وحيرة فهو عدم، بل العدم أحسن منه، فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، ليس ذلك بعجب فإن الله أضلهم ومن يضلل الله أي الذي له الأمر كله بإرادة ضلاله فما له من هاد

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث