الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق

ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت، أتبع تعالى ذكر ما أنزل قوله: وكذلك أي ومثل هذا الإنزال، البديع المثال، البعيد المنال; ولا يبعد أن يكون عطفا على كذلك أرسلناك أو مثل إنزال كتب أهل الكتاب أنـزلناه بما لنا من العظمة حال كونه حكما عربيا أي ممتلئا حكمة تقضي بالحق، فائقا لجميع الكتب بهذا الوصف; والحكم: القطع بالمعنى على ما تدعو إليه الحكمة، وهو أيضا فصل الأمر على الحق; فالمعنى أنه لا يقدر أحد على نقض شيء منه، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم، وما ليس كذلك فليس بحكم، والعربي: الجاري على مذاهب العرب في كلامها، فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى إليك من سبب آلهتهم وتسفيه أحلامهم [ ص: 358 ] وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد الأوثان، وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى قبلتهم ونحوه ولئن اتبعت أهواءهم في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في القبلة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم الآية. ولما كان المراد التعميم في الزمان، نزع الجار، وأتى بـ "ما" لأنها أعم من "الذي" وأشد إبهاما، فهي الخفي معنى، فناسب سياق الوحي الذي هو غيب، ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف آية البقرة الأولى فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل الناشئ عن نظر المحسوسات فقال: بعدما جاءك ولما كان قد أنعم عليه صلى الله عليه وسلم بأشياء غير العلم، بين المراد بقوله: من العلم أي بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء كان [ذلك] الاتباع في أصول الشريعة أو فروعها خفية كانت أو جلية.

[ ص: 359 ] ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء، قال: ما لك حينئذ من الله أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال: من ولي أي ناصر يتولى [من] نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه. ولما كان مدلول "ما" أعم من مدلول "الذي" لشمولها الظاهر والخفي، وكان من خالف الخفي أعذر ممن خالف الظاهر، نفى الأخص من النصير فقال: ولا واق أي يقيك بنفسه فيجعلها دون نفسك، وقد يوجد من الأنصار من لا يسمع بذلك، وهذا بعث للأمة وتهييج على الثبات في الدين والتصلب فيه، والهوى - مقصورا: ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، والعلم: تبين الشيء على ما هو به.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث