الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 207 ] كتاب

موجبات الضمان

والنظر في الفعل ومراتبه ، ويندرج في جنايات العبيد ، ثم في دفع الصائل ، ثم في إفساد البهائم ; فذلك ثلاثة أنظار .

النظر الأول : في الأفعال ومراتبها .

وفي الكتاب : إن قتل عبد رجلا له وليان فعفا أحدهما عن العبد على أن يأخذ جميعه ويعتني السيد ; فإن دفع السيد لأخيه نصف الدية ، تم فعله ; لعدم المطالبة ، وإلا خير بين كون العبد بينهما أو يرده ; فإن رده فلهما القتل ، والعفو ، وإن عفوا خير السيد بين إسلامه أو فدائه منهما بالدية ; لقوله عليه السلام : ( العبد فيما جنى ) ، وعنه أيضا : الدخول مع أخيه ، فيكون العبد بينهما لشركتهما في الدم ، وكذلك إن عفا أحدهما على أن يأخذ القاتل وزيادة عبد ; فإن [ ص: 208 ] دفع السيد لغير العافي نصف الدية ، تم فعله ، وإلا دفع العافي لأخيه نصف القاتل وحده ويتم فعله ; فإن أبى رد العبدين ( وقتل القاتل إن أحبا لاشتراكهما في الدم ، وقيل : ( يدخل مع قتله في العبدين ) ; لأنهما ثمن الدم الذي لهما . في التنبيهات : العبيد عندنا ذكورهم وإناثهم بينهم في القصاص كالأحرار بينهم ، ملكهم واحد أم لا ؛ لتساويهم ، وقال بعض الناس : إن كانوا لواحد فلا ; لأنه مضاعفة ضرر الناس على السيد ، كما لا يقطع العبد في مال سيده ، ومع الأحرار من يقطع في الجراح دون النفس فيقتل العبد بالحر إن رضي الولي ، ولا يقتل الحر به لعدم التساوي ، قال ابن يونس : قال ابن أبي مسلمة : يقاد للحر من العبد في الجراح إن رضي الحر ، ولا يقاد له من الحر وإن رضي الحر ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن قتل العبد رجلا عمدا ; إن شاء الولي قتله أو استحياءه يكون عبدا له ، وإن قال أحد الوليين : إنما عفوت ; ليكون لي نصفه ، لم يصدق إلا بدليل ، فيكون العبد بينهما إلا أن يفديه السيد بجميع الدية ، وله فداء نصفه بنصفها من أحدهما ، وإسلام نصفه للآخر ، وإن عفوت عن عبد قتل عمدا بقي لمولاه ; إلا أن يشترط رقه فيخير السيد في فدائه أو إسلامه ، أو قتل خطأ ، وقيمته ثلث تركة القتيل جاز عفوه ; لأن الذي يجب له في الدية العبد إلا أن يفديه سيده ، فلما عفا صار كأنه أوصى به لسيده ; فإن كانت قيمته مائة ، والتركة مائتان جاز ، أو التركة بمائة ، فلسيد العبد ثلثاه ، ويخير في فداء الثلث بثلث الدية أو إسلامه ، وقيل : إنما يكون في الثلث الأقل من قيمته أو الدية ; لأن السيد لما كان مقدما على المجني عليه في أن يسلم له العبد أو يفديه بالدية ; كان الواجب له في الدية أحدهما ، وبه أوصى له فيجعل في الثلث الأقل من قيمة الرقبة ، أو قيمة الكتابة ، وقيل : هذا لا يخالفه ابن القاسم ، وهو وظاهره يخالفه ; فإن قتله خطأ وأوصى أن يعفى عنه ، ويرد لسيده ، ولا مال له ، ولم يخير للورثة ، قال أشهب : يخير سيده في فداء جميعه [ ص: 209 ] بثلثي الدية ; لأن ثلثها عنه سقط بالوصية ، أو يسلم جميعه بثلثي الدية ; لأن اللازم في الجناية التخيير لا شيء يتعلق بالذمة ، كما لو جرح عبدك حرا ديته مائة ، فطرح عنك خمسين ، فلك فداء جميعه بخمسين ، أو تسلم جميعه بالخمسين ، وكالرهن يضع المرتهن بعض حقه بجميع الرهن بما بقي ، وقال أصبغ : ليس للورثة إلا ثلث أو ثلثا الدية ، وإن شاء سيده أسلم ثلثيه أو افتكهما بثلثي الدية ، وثلث العبد لسيده بالوصية ; أسلم بقيته أو فداه ، بخلاف المجروح ; فإنه كالرهن ، قال اللخمي : إنما كان للأول العود للقتل بعد تقدم الصلح ; لأنه إنما سقط القتل فيكون جميع العبد له ، فلما استحق نصفه ولم تكن هناك ذمة يتبعها عاد للقتل بخلاف القاتل حرا للولي ذمة يتبعها إذا استحق نصف ما صالح به ، وإن أسلم بخلاف القاتل السيد العبد على إن لم يجد الغائب دفع للحاضر نصف قيمة العبد ، لم يكن الأول إن لم يجد الثاني ; لأن له ذمة يتبعها .

فرع :

في الكتاب : إذا أعتقته بعد علمك بقتله لرجل خطأ ، وأردت حمل الجناية فذلك لك ، أو قلت : ظننت أنها تلزم ذمته ، حلفت على ذلك ، ورد عتقه لتعلق حق الجناية برقبته ، وكذلك إن جرح الحر وحلفت ، وإن كان للعبد مال مثل الجناية أو وجد معينا على أدائها نفذ العتق ، وإلا بيع منه بقدرها وعتق الفاضل ، وإن كان لا فضل فيه أسلم لأهل الجناية ، ( وإن باعه بعد علمه بالجناية ) حلف : ما أراد الحمل ثم دفع الأرش لأهل الجناية ، وإن باعه بعد علمه بالجناية حلف ما أراد ، وإلا فلهم إجازة البيع وقبض الثمن وفسخه ، وأخذ العبد ; لتعلق الجناية به ، قال غيره : إلا أن يشاء المبتاع دفع الأرش لأيهم فذلك لهم ; لأنه حقهم ، ويرجع على البائع بالأقل بما [ ص: 210 ] افتكه أو الثمن ; لأن كليهما متعلق بالسيد ، فإن افتكه البائع فللمبتاع رده بهذا العيب إلا أن يبينه البائع له ، وقال غيره : هذا في العمد ، وأما في الخطأ فلا ، وهو كعيب ذهب ، في التنبيهات : للسيد ثلاثة أحوال : الأول : إن علم الجناية والحكم أسلم في العتق المجني عليه رقيقا ، أو يفديه ويمضي عتقه ، وفي البيع إن أعطى الجناية مضى البيع وإلا رده . الثاني : أو يعلم الجناية ويجهل أنه ليس له عتقه ولا بيعه إلا بعد تحمل الجناية ; فيحلف : ما أراد التحمل ، ويكون له من الخيار ، وللأولياء في البيع ما تقدم . الثالث : لا يعلم الجناية ولا منعه عن البيع والعتق ; فقولان : أحدهما : رضي بالتحمل فيمضي عليه البيع والعتق . وثانيهما : أنه ليس يرضى ويحلف : ما أراد التحمل لكن يحلف وصفة أيمانه ; أن يحلف في الوجه الثاني بعد جهل ذلك . وفي الثالث : ما أراد تحمل ذلك ، وإنما يستحلف في كل هذا إذا كان له مال ; قاله محمد . وقد يقال : يستحلف على كل حال إذا رضي باتباعه ، وكذلك إن وطأ بعد الجناية ، فحملت في الوجوه الثلاثة ، لكن إن لم يعلم وهو مليء فعليه الأقل من قيمتها ، أو أرش الجناية ، فإن كان عديما أخذها أهل الجناية ، فإن علم قال في الكتاب : لزمه أرش الجناية إن كان له مال ; لأن ذلك منه رضا بتحمل الجناية ، وقال محمد : إذا حلف أنه لم يرض بحملها فعليه الأقل ، وعليه هذا التفصيل ; والخلاف في العلم ، وإن لم يكن له مال أخذها أهل الجناية ; فإن لم تحمل لا يكون وطؤه رضا بالجناية ، قاله أبو عمران ، وفي النكت : إذا بيع وافتكه المشتري ورجع ، فللأصل إن افتكه بأقل من الثمن فعهدته على البائع ، أو بمثل الثمن فأكثر ، فعهدة المشتري على أهل الجناية ; لأن في الأولى بقي للبائع فضل ، وهو قد رضي بتمام البيع ، بخلاف غير ذلك ، وقوله : للمشتري الرد [ ص: 211 ] بالعيب في العمد ; يريد : جناية عمد في المال إلا أن يبين ، أما في القصاص بقدر لا ينفع البيان ; لأنه لا يدري أيقتص منه أو لا ، وقوله : يباع بقدر الجناية ، ويعتق ما فضل ; يريد : لا مال للسيد ، وإلا يكمل عليه عتق جميعه ، قالمحمد : وينبغي إن كان موسرا وفي العبد فضل ألا يحلف السيد أنه لم يرد حمل الجناية ; لأنه إذا صدق بيع بعضه في الجناية وعتق باقيه ، فيلزمه التقويم ، فيلزمه الأرش وإن كره ، قال التونسي : العهدة مشكلة في العبد ; لأنهم إن أجازوا البيع وأخذوا الثمن على من يرجع المشتري إذا استحق ، والبائع لو أسلمه للمجني عليه ، وانتقض البيع فاستحق رجع المسمى للمشتري ، وأجاز أهل الجناية البيع فاستحق العبد ; فإن رجع المشتري بالثمن على البائع لعدم أهل الجناية أدركه ضرر ; لأنه قد رضي بإسلامه فسقطت العهدة ، فإذا أجازوا البيع والمشتري مليء أضر ذلك به ، إلا أن يقال : لما علم البائع بالجناية ، وباع فقد رضي بالعهدة عليه إن أجازوا البيع ، قال ابن يونس عن مالك : إذا حلف : لم يرد حمل الجناية ; رد عتق العبد ، وخير السيد في الافتكاك ; فإن افتكه كان حرا ; لأنه أعتقه أو أسلمه ، وله مال أو نحوه معيبا بقدر العتق ، وهو تفسير لما في الكتاب ، وعن ابن عبد الحكم : إذا حلف أنه لم يرد حمل الجناية ; رد عتقه وخير السيد في افتدائه ، ويبقى له عبدا ، أو يسلمه عبدا ، وعن المغيرة : إذا أعتقه عالما بالجناية ضمن كإيلاد الأمة ، وإن جرح رجلين فعلم بأحدهما ; فأعتقه [ ص: 212 ] رضي فحمل الجناية ودفعها إليه ، ثم قام الآخر ، فعليه إعطاء الآخر الأقل من أرش جرحه ، أو نصف قيمة العبد ; إن كان المدفوع إليه أكثر من ذلك ، ويأخذ ما بقي ; لأنه ظهر أنه إنما يستحق نصفه ، وهو لا يقدر أن يسلم إليه نصفه لما حدث فيه من العتق ، وإن جنى فوهبه بعد علمه ، ولم يرض بأداء الجناية ، وحلف : ما أراد حملها ; فإن الجناية أولى به . قال اللخمي : قال محمد : إن أعتقه والجناية أكثر ، وحلف أنه لم يرض بحملها وكان عليه قيمتها ; فإن نكل غرم الدية ، وإن كان بيد العبد مال يقوم بالجناية ; أخذ منه ، وعتق ، أو وجد من يغيثه ، واختلف : هل يبدأ بأخذ ماله ، أو يتخير السيد ؟ فعلى القول بأن السيد يفتديه للرق ; يبتدأ بماله وبمن يعينه ، وعلى القول أنه يفتدي لعدم تخيير السيد ; فإن لم يكن له مال ، وفي قيمته فضل عن الجناية ، فثلاثة أقوال في المدونة : يباع منه بقدر الجناية ، ويعتق الباقي ( وفي الموازية : يعتق ) كله على السيد ; لأنه يستكمل عليه ما قابل الجناية . وقيل : يسلم كله لأهل الجناية ; لأن الأصل في جناية : أن لا يباع إلا بعد حقها ، والأول يقتضي أن لا يستكمل على المعتق ، وإلا لا يستكمل من غير بيع ، وإنما أعتق ذلك القدر من باب : لا ضرر ولا ضرار ; لأن السيد بريء منه بالبيع ، فعتق الباقي أولى من رقه .

فرع :

في الكتاب : إن جنى فقال : أبيعه وأدفع الأرش عن ثمنه ; إلا أن يضمن وهو ثقة مأمون ، أو يأتي بضامن ثقة فليؤخر اليومين ونحوهما ، وإلا فداه أو أسلمه ; لأن [ ص: 213 ] الأصل : تعينه للجناية ; فإن باع ودفع دية الجرح جاز بيعه وإلا فلا ، قال اللخمي : إن كان فيه فضل ; فالأحسن : إجابته للبيع ; لأن المجني عليه إذا أخذ حقه سقط مقاله ، واختلف : إذا أسلمه السيد وأراد أولياء الجناية نقض البيع ، فدفع المشتري الجناية . فقيل : له ذلك تتميما للعقد ، ويرجع على البائع بأقل من الثمن أو الفداء ، وقيل : ليس له ; لأن البائع بريء منه ، وأسلمه إلى أولياء الجناية فصار ملكا لهم فلا يباع إلا برضاهم ، وعلى القول الآخر : إن كان في الثمن فضل على الجناية وقف ; فإن رجع السيد أو المجني عليه إلى إجازة البيع أخذوه ; لأن المشتري لا حق له فيه .

فرع :

في الكتاب : إن ولدت بعد الجناية لم تسلم وابنها معها ; إذ يوم الحكم يستحقها المجني عليه ، بل تسلم بما لها بعد الجناية ، وقاله أشهب : في الولد والمال ; لأنه جزؤها . قال ابن يونس : قال المغيرة : إن ولدت بعد الجناية فهو رهن معها في الجناية . قال ابن القاسم : إن ماتت فأهل الجناية أحق بمالها ، إلا أن يدفع السيد الأرش . قال اللخمي : الجناية لا تتعلق بذمة السيد ، لقوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ; إلا أن يتسبب السيد في ذلك مثل : أن يجيعه فيسرق ، ففي كون الجناية حينئذ في رقبته أو ذمة سيده قولان ، ( وقضى عمر رضي الله عنه على حاطب لما أجاع عبيده حتى سرقوا بعيرا : بقيمة البعير ، وثنى عليه عقوبة ) ; فإن أمره السيد بذلك : فللمجني عليه اتباع السيد قولا واحدا ; يتبع بها [ ص: 214 ] العبد فيفدى منه أو يسلم ، واختلف إذا أسلمه وله مال فسلمه بماله عند ابن القاسم كالعتق ، وقال مالك في أم الولد تجني : تقوم بغير مالها ، وقيل : تقوم به . فعلى الأول : يقوم العبد بغير مال ، وإن جنت حاملا أسلمت على هيئتها والحمل للمجني عليه ; فإن وضعت قبل الإسلام : لم يسلم الولد لانفصاله قبل الحكم ، وإن حملت بعد الجناية ، ثم وضعت فخلاف ، والإسلام أحسن ; لتجدده بعد الجناية . وعلى قول : لا يسلمه إذا جنت حاملا والاستثناء ; لتجد بعد فيه هاهنا أخف من الاستثناء في البيع ، وإذا قتل العبد عبدا فقتله المجني عليهم ; فالمال للسيد اتفاقا ; لأن الذي كان لهم هو نفس القاتل ، وقد أخذوها ، واختلف إذا عفوا عنه وأسلم إليهم ، فعند ابن القاسم : لا يسلم ماله ; لأنه لم يستحق بالقتل إلا رقبته ، وإن أسلمه ; ليستحيوه ، فقتلوه ; استرجع المال منهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث