الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فيما تتميز به الصغائر من الكبائر

إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها ، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر . فمن شتم الرب أو الرسول أو استهان بالرسل أو كذب واحدا منهم أو ضمخ الكعبة بالعذرة أو ألقى المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر ، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة .

وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو مسلما لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر .

وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ويسبون حرمهم وأطفالهم ، ويغتنمون أموالهم ويزنون بنسائهم ويخربون ديارهم ، فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليته يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر .

وكذلك لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه ، ولو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه تؤخذ منه تمرة بسبب كذبه لم يكن ذلك من الكبائر ، وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر ، وإن وقعا في مال حقير كزبيبة وتمرة فهذا مشكل ، فيجوز أن يجعل من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد ، كما جعل شرب قطرة من الخمر من جملة الكبائر وإن لم يتحقق المفسدة فيه ، ويجوز أن يضبط ذلك المال بنصاب السرقة . [ ص: 24 ]

والحكم بغير الحق كبيرة فإن شاهد الزور متسبب متوسل والحاكم مباشر فإذا جعل التسبب كبيرة فالمباشرة أكبر من تلك الكبيرة ، ولو شهد اثنان بالزور على قتل موجب للقصاص فسلم الحاكم المشهود عليه إلى الوالي فقتله وكلهم عالمون بأنهم ظالمون فشهادة الزور كبيرة والحكم أكبر منها ومباشرة القتل أكبر من الحكم ، والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوتها عزة ولا يهتدي إليها إلا من وفقه الله تعالى ، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت ، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب ، ولا يلزم من النص على كون الذنب كبيرة أن يكون مساويا لغيره من الكبائر ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : { إن من الكبائر أن يشتم الرجل والديه قالوا : يا رسول الله وكيف يشتم الرجل والديه ؟ فقال . نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه } . رواه مسلم في الصحيح . جعل صلى الله عليه وسلم التسبب إلى سبهما من الكبائر ، وهذا تنبيه على أن مباشرة سبهما أكبر من التسبب إليه .

وفي رواية البخاري : { إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قالوا يا رسول الله ، وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه }

جعل اللعن من أكبر الكبائر لفرط قبحه بخلاف السب المطلق . وقد نص الرسول عليه السلام على أن عقوق الوالدين من الكبائر ، مع الخلاف في رتب العقوق ، ولم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه ، فإن ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما وما يجب للأجانب فهو واجب لهما ، ولا يجب على الولد طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء ، وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه ، ولشدة تفجعهما على ذلك ، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو على عضو من أعضائه ، وقد ساوى الوالدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكنى . وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن قال . كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو من الكبائر . فتغيير منار الأرض كبيرة لاقتران اللعن به .

وكذلك قتل [ ص: 25 ] المؤمن كبيرة لأنه اقترن به الوعيد واللعن والحد ، والمحاربة والزنا والسرقة والقذف كبائر لاقتران الحدود بها ، وعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو اللعن أو الحد أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث