الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل :

[ حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم ]

وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها ; لأنها أقوات العالم ، وما يصلحها ; فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل ، سواء اتحد الجنس أو اختلف ، ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا وإن اختلفت صفاتها ; وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها . [ ص: 106 ]

وسر ذلك - والله أعلم - أنه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح ، وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح ، فيعز الطعام على المحتاج ، ويشتد ضرره ، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير ، لا سيما أهل العمود والبوادي ، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام ; فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها كما منعهم من ربا النساء في الأثمان ; إذ لو جوز لهم النساء فيها لدخلها : " إما أن تقضي وإما أن تربي " فيصير الصاع الواحد لو أخذ قفزانا كثيرة ، ففطموا عن النساء ، ثم فطموا عن بيعها متفاضلا يدا بيد ، إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نساء وهو عين المفسدة ، وهذا بخلاف الجنسين المتباينين ; فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة ; ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ، ولا يفعلونه ، وفي تجويز النساء بينها ذريعة إلى : " إما أن تقضي وإما أن تربي " فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدا بيد كيف شاءوا ، فحصلت لهم مصلحة المبادلة ، واندفعت عنهم مفسدة : " إما أن تقضي وإما أن تربي " . وهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك ، فلو منعوا منه لأضر بهم ، ولامتنع السلم الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيرهم ، والشريعة لا تأتي بهذا ، وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نساء وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا ، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة ، ومنعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويتذرع به غالبا إلى مفسدة راجحة .

يوضح ذلك أن من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر فإنه يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا } أو تبيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوي ، وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالا ، بخلاف ما إذا مكن من النساء ، فإنه حينئذ يبيعه بفضل ، ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل ; لأن صاحب ذلك الصنف يربي عليه كما أربى هو على غيره ، فينشأ من النساء تضرر بكل واحد منهما ، والنساء ههنا في صنفين ، وفي النوع الأول في صنف واحد ، وكلاهما منشأ الضرر والفساد .

وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفا واحدا أو صنفين مقصودهما واحد أو متقارب ، كالدراهم والدنانير ، والبر والشعير ، والتمر والزبيب ، فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحديد والزيت . [ ص: 107 ] يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة ، فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته ; فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتماما لهذه الحكمة ، ورعاية لهذه المصلحة ; فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول ، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر ، وكما يفعل أرباب الحيل : يطلقون العقد وقد تواطئوا على أمر آخر ، كما يطلقون عقد النكاح وقد اتفقوا على التحليل ، ويطلقون بيع السلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن ; فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع حالا وأخروا الطلب لأجل الربح ، فيقعوا في نفس المحذور .

وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها ; لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان ، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها ; لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات ، وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين ; لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها ; فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها ، ولهذا قال : " تبرها وعينها سواء " فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين ، وربا الفضل في الجنس الواحد ، وأن تحريم هذا تحريم المقاصد وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع ، ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث