الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لو

لو

لو : حرف شرط في المضي ، يصرف المضارع إليه ، بعكس ( إن ) الشرطية :

، واختلف في إفادتها الامتناع وكيفية إفادتها إياه على أقوال :

أحدها : أنها لا تفيده بوجه ، ولا تدل على امتناع الشرط ولا امتناع الجواب ، بل هي لمجرد ربط الجواب بالشرط ، دالة على التعليق في الماضي . كما دلت ( إن ) على التعليق في المستقبل ، ولم تدل بالإجماع على امتناع ولا ثبوت .

قال ابن هشام : وهذا القول كإنكار الضروريات ، إذ فهم الامتناع منها كالبديهي ; فإن كل من سمع : ( لو فعل ) فهم عدم وقوع الفعل من غير تردد ; ولهذا جاز استدراكه فتقول : لو [ ص: 526 ] جاء زيد أكرمته ، لكنه لم يجئ .

الثاني : وهو لسيبويه ، قال : إنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ، أي : أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره ، والمتوقع غير واقع ; فكأنه قال : حرف يقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته .

الثالث : وهو المشهور على ألسنة النحاة ، ومشى عليه المعربون : أنها حرف امتناع لامتناع ، أي : يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط ، فقولك : لو جئت لأكرمتك ، دال على امتناع الإكرام لامتناع المجيء .

واعترض بعدم امتناع المجيء واعترض بعدم امتناع الجواب في مواضع كثيرة ، كقوله تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله [ لقمان : 27 ] ( ولو أسمعهم لتولوا ) [ الأنفال : 23 ] ; فإن عدم النفاد عند فقد ما ذكر ، والتولي عند عدم الإسماع أولى .

والرابع : وهو لابن مالك : أنها حرف يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه ، من غير تعرض لنفي التالي . قال : فقيام زيد من قولك : لو قام زيد قام عمرو ، محكوم بانتفائه وبكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام من عمرو ، وهل وقع لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له ؟ لا تعرض لذلك . قال ابن هشام : وهذه أجود العبارات .

فائدة : أخرج ابن أبي حاتم ، من طريق الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كل شيء في القرآن ( لو ) فإنه لا يكون أبدا .

فائدة ثانية : تختص لو المذكورة بالفعل ; وأما نحو : قل لو أنتم تملكون [ الإسراء : 100 ] فعلى تقديره .

قال الزمخشري : وإذا وقعت ( أن ) بعدها وجب كون خبرها فعلا ، ليكون عوضا عن الفعل المحذوف . ورده ابن الحاجب بآية : ( ولو أنما في الأرض ) [ لقمان : 27 ] ، وقال : إنما ذاك إذا كان مشتقا لا جامدا ، ورده ابن مالك بقوله :


لو أن حيا مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح



قال ابن هشام : وقد وجدت آية في التنزيل وقع فيها الخبر اسما مشتقا ، ولم يتنبه لها [ ص: 527 ] الزمخشري ، كما لم يتنبه لآية لقمان ، ولا ابن الحاجب ، وإلا لما منع من ذلك ، ولا ابن مالك ، وإلا لما استدل بالشعر ، وهي قوله : ( يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ) [ الأحزاب : 20 ] . ووجدت آية الخبر فيها ظرف : ( لو أن عندنا ذكرا من الأولين ) [ الصافات : 168 ] .

ورد ذلك الزركشي في " البرهان " وابن الدماميني بأن ( لو ) في الآية الأولى للتمني ، والكلام في الامتناعية ، وأعجب من ذلك أن مقالة الزمخشري سبقه إليها السيرافي ، وهذا الاستدراك وما استدرك به منقول قديما في شرح " الإيضاح " لابن الخباز ، لكن في غير مظنته ، فقال في باب ( إن ) وأخواتها : قال السيرافي : لو أن زيدا أقام لأكرمته ، لا يجوز : لو أن زيدا حاضرا لأكرمته ; لأنك لم تلفظ بفعل يسد مسد ذلك الفعل . هذا كلامه ، وقد قال تعالى : وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب [ الأحزاب : 20 ] ، فأوقع خبرها صفة . ولهم أن يفرقوا بأن هذه للتمني فأجريت مجرى ليت ، كما تقول : ليتهم بادون . انتهى كلامه .

وجواب ( لو ) إما مضارع منفي ب ( لم ) أو ماض مثبت ، أو منفي ب ( ما ) . والغالب على المثبت دخول اللام عليه ، نحو : ( لو نشاء لجعلناه حطاما ) [ الواقعة : 65 ] ومن تجرده لو نشاء جعلناه أجاجا [ الواقعة : 70 ] . والغالب على المنفي تجرده ، نحو : ( ولو شاء ربك ما فعلوه ) [ الأنعام : 112 ] .

فائدة ثالثة : قال الزمخشري : الفرق بين قولك : لو جاءني زيد لكسوته ، ولو زيد جاءني لكسوته ، ولو أن زيدا جاءني لكسوته . :

أن القصد في الأول : مجرد ربط الفعلين ، وتعليق أحدهما بصاحبه لا غير ، من غير تعرض لمعنى زائد على التعلق الساذج .

وفي الثاني : انضم إلى التعليق أحد معنيين ; إما نفي الشك والشبهة . وأن المذكور مكسو لا محالة ، وإما بيان أنه هو المختص بذلك دون غيره ، وتخرج عليه آية : ( لو أنتم تملكون ) [ الإسراء : 100 ] .

وفي الثالث : ، مع ما في الثاني : زيادة التأكيد الذي تعطيه ( أن ) وإشعار بأن زيدا كان حقه أن يجيء ، وأنه بتركه المجيء قد أغفل حظه . ويخرج عليه ( ولو أنهم صبروا ) [ الحجرات : 5 ] ونحوه .

فتأمل ذلك ، وخرج عليه ما وقع في القرآن من أحد الثلاثة .

تنبيه : ترد ( لو ) شرطية في المستقبل ; وهي التي يصلح موضعها ( إن ) نحو : ( ولو كره المشركون ) [ ص: 528 ] [ التوبة : 33 ] . ( ولو أعجبك حسنهن ) [ الأحزاب : 52 ] .

ومصدرية ، وهي التي يصلح موضعها ( أن ) المفتوحة ، وأكثر وقوعها بعد ( ود ) ونحوه : نحو : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم ) [ البقرة : 109 ] . ( يود أحدهم لو يعمر ) [ البقرة : 96 ] ( يود المجرم لو يفتدي ) [ المعارج : 11 ] . أي : الرد والتعمير والافتداء .

وللتمني ، وهي التي يصلح موضعها ( ليت ) نحو : ( فلو أن لنا كرة ) [ الشعراء : 102 ] ولهذا نصب الفعل في جوابها .

وللتقليل ، وخرج عليه : ( ولو على أنفسكم ) [ النساء : 135 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث