الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 780 ] 428

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة

ذكر الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان

في هذه السنة كانت الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان ، وهو من أكابر الأمراء ويلقب حاجب الحجاب .

وكان سبب ذلك أن جلال الدولة نسبه إلى فساد الأتراك ، والأتراك نسبوه إلى أخذ الأموال ، فخاف على نفسه ، فالتجأ إلى دار الخلافة في رجب من السنة الخالية .

وترددت الرسل بين جلال الدولة والقائم بأمر الله في أمره ، فدافع الخليفة عنه ، وبارسطغان يراسل الملك أبا كاليجار ، فأرسل أبو كاليجار جيشا ، فوصلوا إلى واسط واتفق معهم عسكر واسط ، وأخرجوا الملك العزيز بن جلال الدولة ، فأصعد إلى أبيه ، وكشف بارسطغان القناع ، فاستتبع أصاغر المماليك ونادوا بشعار أبي كاليجار ، وأخرجوا جلال الدولة من بغداذ ، فسار إلى أوانا ومعه البساسيري ، وأخرج بارسطغان الوزير أبا الفضل العباس بن الحسن بن فسانجس ، فنظر في الأمور نيابة عن الملك أبي كاليجار ، وأرسل بارسطغان إلى الخليفة يطلب الخطبة لأبي كاليجار فاحتج بعهود جلال الدولة ، فأكره الخطباء على الخطبة لأبي كاليجار ففعلوا .

وجرى بين الفريقين مناوشات ، وسار الأجناد الواسطيون إلى بارسطغان ( ببغداذ فكانوا معه ، وتنقلت الحال بين جلال الدولة وبارسطغان ) ، فعاد جلال الدولة إلى بغداذ ، ونزل بالجانب الغربي ومعه قرواش بن المقلد العقيلي ، ودبيس بن علي بن مزيد [ ص: 781 ] الأسدي ، وخطب لجلال الدولة به ، وبالجانب الشرقي لأبي كاليجار ، وأعان أبو الشوك ، وأبو الفوارس منصور بن الحسين بارسطغان على طاعة أبي كاليجار .

ثم سار جلال الدولة إلى الأنبار ، وسار قرواش إلى الموصل ، وقبض بارسطغان على ابن فسانجس ، فعاد منصور بن الحسين إلى بلده ، وأتى الخبر إلى بارسطغان بعود الملك أبي كاليجار إلى فارس ، ففارقه الديلم الذين جاءوا نجدة له ، فضعف أمره ، ( فدفع ماله ) وحرمه إلى دار الخلافة ، وانحدر إلى واسط ، وعاد جلال الدولة إلى بغداذ ، وأرسل البساسيري والمرشد وبني خفاجة في أثره فتبعهم جلال الدولة ودبيس بن علي بن مزيد ، فلحقوه بالخيزرانية ، فقاتلوه فسقط عن فرسه ، فأخذ أسيرا وحمل إلى جلال الدولة ، فقتله وحمل رأسه ، وكان عمره نحو سبعين سنة .

( وسار جلال الدولة إلى واسط فملكها ، وأصعد إلى بغداذ ) ، فضعف أمر الأتراك ، وطمع فيهم الأعراب ، واستولوا على إقطاعاتهم فلم يقدروا على كف أيديهم عنها ، وكانت مدة بارسطغان من حين كاشف جلال الدولة إلى أن قتل ستة أشهر وعشرة أيام .

ذكر الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار والمصاهرة بينهما

في هذه السنة ترددت الرسل بين جلال الدولة وابن أخيه أبي كاليجار ، سلطان الدولة ، في الصلح والاتفاق ، وزوال الخلف ، وكان الرسل ( أقضى القضاة ) أبا الحسن الماوردي ، وأبا عبد الله المردوستي ، وغيرهما ، فاتفقا على الصلح . وحلف كل واحد من الملكين لصاحبه ، وأرسل الخليفة القائم بأمر الله إلى أبي كاليجار الخلع [ ص: 782 ] النفيسة ، ووقع العقد لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنة جلال الدولة ، وكان الصداق خمسين ألف دينار قاسانية .

ذكر عدة حوادث

[ الوفيات ]

فيها توفي أبو القاسم علي بن الحسين بن مكرم صاحب عمان ، وكان جوادا ، ممدحا ، وقام ابنه مقامه .

وفيها توفي الأمير أبو عبد الله الحسين بن سلامة ، أمير تهامة ، باليمن ، وولي ابنه بعده ، فعصى عليه خادم كان لوالده . وأراد أن يملك فجرى بينهما حروب كثيرة تمادت أيامها ، ففارق أهل تهامة أوطانهم إلى غير مملكة ولد الحسين هربا من الشر وتفاقم الأمر .

وفيها توفي مهيار الشاعر ، وكان مجوسيا ، فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة ، وصحب الشريف الرضي ، وقال له أبو القاسم بن برهان : يا مهيار قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية ! قال : كيف ؟ قال : لأنك كنت مجوسيا ، فصرت تسب أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في شعرك .

وفيها توفي أبو الحسين القدوري الفقيه الحنفي ، والحاجب أبو الحسين هبة الله بن الحسن ، المعروف بابن أخت الفاضل ، وكان من أهل الأدب وله شعر جيد ، وأبو علي بن أبي الريان بمطيراباذ ، ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ، وقد مدحه الرضي وابن نباتة وغيرهما .

[ ص: 783 ] وفيها عاود المعز بن باديس حرب زناتة بإفريقية ، فهزمهم وأكثر القتل فيهم ، وخرب مساكنهم وقصورهم .

وفي شعبان توفي أبو علي بن سينا الحكيم ، الفيلسوف المشهور ، صاحب التصانيف السائرة على مذاهب الفلاسفة ، وكان موته بأصبهان ، وكان يخدم علاء الدولة أبا جعفر بن كاكويه ، ولا شك أن أبا جعفر كان فاسد الاعتقاد ، فلهذا أقدم ابن سينا على تصانيفه في الإلحاد ، والرد على الشرائع ( في بلده ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث