الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يعم الرجال والنساء من الألفاظ وما لا يعم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل ) : ( لفظ الرجال والرهط لا يعم النساء ولا العكس )

وهو أن لفظ النساء لا يعم الرجال . ولا الرهط قطعا ( ويعم نحو ) لفظ ( الناس ، و ) لفظ ( القوم ) كالإنس والآدميين ( الكل ) أي الرجال والنساء ، ثم الرهط ما دون العشرة خاصة ، وفي مدلول " القوم " ثلاثة أقوال . قال في القاموس : القوم : الجماعة من الرجال والنساء معا ، أو من الرجال خاصة ، أو يدخل النساء على التبعية ، ويؤنث . ا هـ .

ويستأنس للأول بقوله تعالى { يا قومنا أجيبوا داعي الله } فيدخل النساء في ذلك ا هـ . ونحو : المؤمنين والمصلين والمزكين ( كالمسلمين ، و ) نحو ( فعلوا ) ككلوا وشربوا ، وكذلك افعلوا ككلوا واشربوا ، ويفعلون كيأكلون ويشربون ، وفعلتم كأكلتم وشربتم ، وكذا اللواحق ، كذلكم وإياكم ، ونحو ذلك مما يغلب فيه المذكر ( يعم النساء تبعا ) عند أكثر أصحابنا والحنفية وبعض الشافعية . وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله . وعنه رواية أخرى : لا يعم ، اختاره أبو الخطاب والطوفي وأكثر الشافعية والأشعرية . ونقله ابن برهان عن معظم الفقهاء . قال البرماوي عن القول الأول : إن عمومه ليس من حيث اللغة ، بل بالعرف ، أو بعموم الأحكام أو نحو ذلك . قال أبو المعالي : اندراج النساء تحت لفظ " المسلمين " بالتغليب لا بأصل الوضع . وقال الإبياري : لا خلاف بين الأصوليين والنحاة في عدم تناولهن لجمع كجمع الذكور . وإنما ذهب بعض الأصوليين إلى ثبوت التناول ، لكثرة اشتراك النوعين في الأحكام لا غير ، فيكون الدخول عرفا لا لغة . ثم قال : وإذا قلنا بالتناول : هل يكون دالا عليهما بالحقيقة والمجاز [ ص: 380 ] أو عليهما مجازا صرفا ؟ خلاف . ظاهر مذهب القاضي الباقلاني : الثاني ، والقياس قول أبي المعالي الأول . انتهى . واستدل للأول بمشاركة الذكور في الأحكام لظاهر اللفظ . رد بالمنع بلا لدليل ولهذا لم يعمهن الجهاد والجمعة وغيرهما . أجيب بالمنع . ثم لو كان لعرف . والأصل عدمه ، وخروجهن من بعض الأحكام لا يمنع كبعض الذكور ، ولأن أهل اللغة غلبوا المذكر باتفاق بدليل { اهبطوا } لآدم وحواء وإبليس . رد بقصد المتكلم ، ويكون مجازا . أجيب : لم يشترط أحد من أهل اللغة العلم بقصده ، ثم لو لم يعمهن لما عم بالقصد ، بدليل جمع الرجال ، والأصل الحقيقة ، ولو كان مجازا لم يعد العدول عنه عيا . قال المانعون : قالت أم سلمة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم { ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ؟ فنزلت { إن المسلمين والمسلمات } - الآية } رواه النسائي وغيره . ولو دخلن لم يصدق نفيها ، ولم يصح تقريره له . رد : يصدق ، ويصح ، لأنها إنما أرادت التنصيص تشريفا لهن لا تبعا . قالوا : الجمع تضعيف الواحد ، ومسلم لرجل ، فمسلمون لجمعه .

رد : يحتمل منعه . قاله الحلواني . وقد احتج أصحابنا بأن قوله تعالى { الحر بالحر } عام للذكر والأنثى . وأما الخناثى : فعلى القول بدخول النساء : الخناثى أولى وعلى المنع : فالظاهر من تصرف الفقهاء : دخولهم في خطاب النساء في التغليظ ، والرجال في التخفيف . قال في شرح التحرير : ومما يخرج على هذه القاعدة مسألة الواعظ المشهورة ، وهي قوله للحاضرين عنده : طلقتكم ثلاثا ، وامرأته فيهم ، وهو لا يدري . فأفتى أبو المعالي بالوقوع . قال الغزالي : وفي القلب منه شيء . قلت : الصواب عدم الوقوع . وقال الرافعي والنووي : وينبغي أن لا يقع . ولهم فيها كلام كثير . ( وإخوة وعمومة لذكر وأنثى ) قال في شرح التحرير : والمذهب أن الإخوة والعمومة يعم الذكور والإناث . قطع به في المغني والشرح وشرح ابن رزين وصاحب الفروع فيه وغيرهم . وظاهر كلامه في الواضح : أن الإخوة لا تعم الإناث ، وأن المؤمن لا يعمهن ( وتعم " من " الشرطية المؤنث ) لقوله تعالى { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى } فالتفسير بالذكر والأنثى دل [ ص: 381 ] على تناول القسمين . ولقوله سبحانه وتعالى { ومن يقنت منكن لله ورسوله } ولقول النبي صلى الله عليه وسلم { من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه . فقالت أم سلمة : فكيف . تصنع النساء بذيولهن ؟ فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على فهم دخول النساء في من الشرطية } . ولأنه لو قال : من دخل داري فهو حر ، فدخله الإماء عتقن بالإجماع . قاله في المحصول . وحكى غيره قولا : أنها تختص بالذكور . وهو محكي عن بعض الحنفية ، وأنهم تمسكوا به في مسألة المرتدة ، فجعلوا قوله صلى الله عليه وسلم { من بدل دينه فاقتلوه } لا يتناولها . والصحيح خلافه ( ويعم الناس والمؤمنون ونحوهما ) كالذين آمنوا ويا عبادي ( عبدا ) كله رقيق ( ومبعضا ) قل الرق فيه أو كثر عند الإمام أحمد رحمه الله وأكثر أتباعه والأئمة الأربعة ، لأنهم يدخلون في الخبر ، فكذا في الأمر ، وباستثناء الشارع لهم في الجمعة . وقيل : لا يدخلون إلا بدليل . وقيل : إن تضمن العبيد دخلوا ، وإلا فلا . قال الهندي : القائلون بعموم دخول العبيد والكفار في لفظ " الناس " ونحوه ، إن زعموا أنه لا يتناولهم لغة فمكابرة ، وإن زعموا أن الرق والكفر أخرجهم شرعا فباطل ; لأن الإجماع أنهم مكلفون في الجملة ( و ) يدخل الذين هم ( كفار وجن في ) مطلق لفظ ( الناس ونحوه ) مثل ( أولي الألباب ) في الأصح من غير قرينة لغة . وبه قال الأستاذ أبو إسحاق وغيره .

إذ لا مانع من ذلك . أما إذا قامت قرينة بعدم دخولهم ، أو أنهم هم المراد ، لا المؤمنون : عمل بها ، نحو قوله تعالى { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } لأن الأول للمؤمنين فقط : أما نعيم بن مسعود الأشجعي ، وهو الذي قاله المفسرون ، أو أربعة ، كما نص عليه الشافعي في الرسالة . والثاني : لكفار مكة .

لكن قد يقال : بأن اللام في ذلك للعهد الذهني ، والكلام في الاستغراقية .

وقوله سبحانه وتعالى { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له } المراد الكفار بدليل باقي الآية . نص عليه الشافعي في الرسالة ، وجعله من العام الذي أريد به الخاص . فقد يدعي ذلك أيضا في الآية التي قبلها ، فلا تكون أل فيها [ ص: 382 ] عهدية . ( و ) قوله سبحانه وتعالى ( { يا أهل الكتاب } لا يشمل الأمة ) أي أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند الأكثر . وقطع به بعضهم . ومن أمثلة ذلك قوله سبحانه وتعالى { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا } { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } إلا أن يدل دليل على مشاركة الأمة لهم . وذلك لأن اللفظ قاصر عليهم فلا يتعداهم . والمراد بأهل الكتاب : اليهود والنصارى . قال المجد في المسودة : يشمل الأمة إن شركوهم في المعنى . قال : لأن شرعه عام لبني إسرائيل وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم ، كالمؤمنين ، فثبت الحكم فيهم ، كأمي أهل الكتاب . وذلك كاف لواحد من المكلفين ، فإنه يعم غيره . وإن لم يشركهم فلا ، كما في . قوله تعالى . لأهل بدر { فكلوا مما غنمتم } ولأهل أحد { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } فإن ذلك لا يعم غيرهم . قال : ثم الشمول هنا بطريق العادة العرفية أو الاعتبار العقلي ، وفيه الخلاف المشهور . قال : وعلى هذا ينبني استدلال الآية على حكمنا ، مثل رضي الله عنه { أتأمرون الناس بالبر } - الآية " فإن هذه الضمائر راجعة لبني إسرائيل . قال : وهذا كله في الخطاب على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . أما خطابه لهم على لسان موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام : فهي مسألة شرع من قبلنا : هل هو شرع لنا ؟ والحكم هنا لا يثبت بطريق العموم الخطابي قطعا ، بل بالاعتبار العقلي عند الجمهور ( ويعمه ) أي يعم النبي صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه وتعالى { يا أيها الناس } ، و { يا عبادي } ونحو ذلك ، كيا أيها الذين آمنوا ، عند أكثر العلماء ( حيث لا قرينة تخصهم ) نحو يا أمة محمد ، و { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } لأنا مأمورون بالاستجابة . [ ص: 383 ]

وقيل : يعمه خطاب القرآن دون خطاب السنة ، وقيل : لا يعمه خطاب القرآن ولا خطاب السنة لقرينة المشافهة ، ولأن المبلغ - بكسر اللام - غير المبلغ - بفتحها . والآمر والناهي غير المأمور والمنهي ، فلا يكون داخلا . رد ذلك بأن الخطاب في الحقيقة هو من الله سبحانه وتعالى للعباد ، وهو منهم ، وهو مع ذلك مبلغ للأمة ; فإن الله سبحانه وتعالى هو الآمر والناهي ، وجبريل هو المبلغ له ، ولا ينافي كون النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا مخاطبا ومبلغا ومبلغا باعتبارين وربما اعتل المانع من ذلك ، بأنه صلى الله عليه وسلم له خصائص ، فيحتمل أنه غير داخل لخصوصيته ، بخلاف الأمر الذي خاطب به الناس . ورد بأن الأصل عدمه ، حتى يأتي دليل ، وتظهر فائدة الخلاف في ذلك فيما إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك : هل يكون نسخا في حقه ؟ إن قلنا : يعمه الخطاب فنسخ ، أي إذا دخل وقت العمل ، لأن ذلك شرط المسألة ، وإلا فلا . ( ويعم ) الخطاب ( غائبا ومعدوما ) حالته ( إذا وجد وكلف لغة ) أي من جهة اللغة . قاله أصحابنا وغيرهم . قال ابن قاضي الجبل : ليس النزاع في قولنا " ويعم الغائب والمعدوم إذا وجد وكلف " في الكلام النفسي ، بل هذه خاصة باللفظ اللغوي .

ولأننا مأمورون بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحصل ذلك إخبارا عن أمر الله تعالى عند وجودنا فاقتضى بطريق التصديق والتكذيب ، وأن لا يكون قسيما للخبر . انتهى . وقيل : لا يعمه الخطاب إلا بدليل آخر . قالالبرماوي : ومما اختلف في عمومه : الخطاب الوارد شفاها في الكتاب والسنة ، مثل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا } - { يا أيها الناس } - { يا عبادي } لا خلاف أنه عام في الحكم الذي تضمنه من لم يشافه به ، سواء كان موجودا غائبا وقت تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم أو معدوما بالكلية . فإذا بلغ الغائب والمعدوم بعد وجوده تعلق به الحكم . وإنما اختلف في جهة عمومه . والحاصل : أن العام المشافه فيه بحكم ، لا خلاف في شموله لغة للمشافهين ، وفي غيرهم حكما ، وكذا الخلاف في غيرهم هل الحكم شامل لهم باللغة أو بدليل آخر ؟ ذهب جمع من الحنابلة والحنفية إلى أنه من اللفظ ، أي اللغوي . وذهب [ ص: 384 ] الأكثر إلى أنه بدليل آخر . وذلك مما علم من عموم دينه صلى الله عليه وسلم بالضرورة إلى يوم القيامة . ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى { لأنذركم به ومن بلغ } وقوله صلى الله عليه وسلم { وبعثت إلى الناس كافة } . قال : وهذا معنى كثير ، كابن الحاجب أن مثل { يا أيها الناس } ليس خطابا لمن بعدهم ، أي لمن بعد المواجهين . وإنما ثبت الحكم بدليل آخر من إجماع أو نص أو قياس . واستدلوا بأنه لا يقال للمعدومين : يا أيها الناس . وأجابوا عما استدل به الخصم ، بأنه لو لم يكن المعدومون مخاطبين بذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا إليهم ، بأنه لا يتعين الخطاب الشفاهي في الإرسال ، بل مطلق الخطاب كاف . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث