الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ثم اعلم أن مفهوم المخالفة ستة أقسام ، أشير إليها بقوله ( وينقسم إلى مفهوم صفة ، و ) إلى ( تقسيم ، و ) إلى ( شرط ، و ) إلى ( غاية ، و ) إلى ( عدد [ ص: 454 ] لغير مبالغة ، و ) إلى ( لقب ) وهو آخر الستة أقسام . ( فالأول ) أي الذي هو مفهوم الصفة ( أن يقترن بعام صفة خاصة ك " في الغنم السائمة الزكاة " ) وك " في سائمة الغنم الزكاة " ، ولذلك قال كثير من العلماء : هو تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات ، فشمل المثالين ، ومثل بهما في الروضة ، وبين الصيغتين فرق في المعنى . فمقتضى العبارة الأولى : عدم الوجوب في الغنم ، المعلوفة التي لولا القيد بالسوم لشملها لفظ " الغنم " ومقتضى العبارة الثانية : عدم الوجوب في سائمة غير الغنم ، كالبقر مثلا التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ " السائمة " كذا قال التاج السبكي في منع الموانع وقال : هو التحقيق .

قال ابن العراقي : والحق عندي أنه لا فرق بينهما ، فإن قولنا : سائمة الغنم ، من إضافة الصفة إلى موصوفها ، فهي في المعنى كالأولى ، والغنم موصوفة ، والسائمة صفة على كل حال . وقد علم أنه ليس المراد بالصفة هنا النعت ، ولهذا مثلوا بقوله صلى الله عليه وسلم { مطل الغني ظلم } والتقيد فيه بالإضافة ، لكنه في معنى الصفة ، فإن المراد به المطل الكائن من الغني ، لا من الفقير ، وقدره البرماوي فقال : مطل الشخص الغني ، ورده بنحو ذلك وغيره ، ومثله أصحابنا تارة بالعبارة الأولى ، وتارة بالثانية .

وظاهر كلامهم أن الحكم فيهما واحد ومن أمثلته أيضا { من باع نخلا مؤبرة فثمرتها للبائع } " ومثله : تعليق نفقة البائن على الحمل وبدأ المصنفون بمفهوم الصفة ; لأنه رأس المفاهيم قال أبو المعالي : لو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك متجها ; لأن المعدود والمحدود موصوفان بعددها وحدها ، وكذا سائر المفاهيم . انتهى .

( وهو ) أي مفهوم الصفة ( حجة ) عند أحمد ومالك والشافعي - رضي الله تعالى عنهم - وأكثر أصحابهم ( لغة ) أي من حيث دلالة اللغة وضع اللسان عند أكثر أصحابنا وأكثر الشافعية وقيل : عقلا ، أي من حيث دلالة العقل ، واختاره جمع وقال الرازي في المعالم : إن ذلك من قبيل العرف العام ، وقال بعض الشافعية : إن ذلك من قبيل الشرع ( يحسن الاستفهام فيه ) أي في مفهوم الصفة ، جزم به في الواضح ، كقول القائل : لا تشرب الخمر ; لأنه يوقع العداوة ، [ ص: 455 ] فيقال له : فهل أشرب النبيذ ؟ ولا ينكر أحد استفهامه هذا ( ومفهومه ) أي مفهوم قوله " في الغنم السائمة الزكاة ؟ " أنه ( لا زكاة في معلوفة الغنم ) عند المعظم ( فالغنم والسوم علة ) لتعلق الحكم بهما وظاهر كلام أحمد رضي الله تعالى عنه - واختاره ابن عقيل وأبو حامد والرازي - : أن مفهومه " لا زكاة " في معلوفة كل حيوان ، فعلى هذا : السوم وحده علة ( وهو ) أي مفهوم الصفة ( في بحث عما يعارضه كعام ) أي كاللفظ العام ، ذكره في التمهيد وغيره ( ومنها ) أي من الصفة ( علة ) نحو : حرمت الخمر لشدتها ، فيدل على أن ما لا شدة فيه لا يحرم .

وهذا أخص من قول القائل : في الغنم السائمة الزكاة ، فإن الوصف فيه وهو " السوم " تتميم للمعنى الذي هو علته ، إلا أن الخلاف في أحدهما كالخلاف في الآخر ( و ) منها ( ظرف ) زمان نحو " { الحج أشهر معلومات } { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } وظرف مكان ، وهو نحو " { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } وكلا الظرفين حجة ( و ) منها ( حال ) نحو { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } ذكره ابن السمعاني في القواطع ، وقال : إنه كالصفة ، وهو ظاهر ; لأن الحال صفة في المعنى قيد بها ، ولم يذكره أكثر المتأخرين . والقول الثاني في أصل المسألة أن مفهوم الصفة بأنواعه ليس بحجة ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وابن سريج والقفال ، وجماعة من المالكية ، وكثير من المعتزلة ، وأبو الحسن التميمي من أصحابنا واختلف النقل عن الأشعري ، واستدل لكونه حجة - وهو الصحيح - بأنه لم يدل عليه لغة لما فهمه أهلها .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } حديث حسن ، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، أي مطلق الغني . وفي الصحيحين { مطل الغني ظلم } وفيهما { لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا } قال أبو عبيد في الأول : يدل على أن لي من ليس بواجد لا يحل عقوبته وعرضه وفي الثاني مثله ، وقيل له في الثالث : المراد الهجاء أو هجاء النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى ; لأن قليله كذلك فألزم [ ص: 456 ] أبو عبيد من تقدير الصفة المفهوم قدر الامتلاء صفة للهجاء . وهو والشافعي من أئمة اللغة ، وذكره الآمدي قول جماعة من أهل العربية فالظاهر أنهم فهموا ذلك لغة .

فثبتت اللغة به ، واحتمال البناء على الاجتهاد مرجوح ( وكالأولى ) وهي الصفة المقترنة بالعام ، كقولهم : في الغنم السائمة الزكاة ، الصفة العارضة المجردة ، نحو قولهم ( في السائمة الزكاة ) قال ابن مفلح : عند أصحابنا وغيرهم وذكره الآمدي وغيره وذلك لأن غايته أن الموصوف فيها محذوف ( والأولى أقوى دلالة ) في المفهوم ; لأن الأولى وهي التي المثال فيها مقيد بالعام كالنص ، بخلاف هذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث