الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التخيير في حضانة الولد

فصل

والتخيير قد جاء فيه حديثان. وأما تقديم الأم على الأب في حق الصغير فمتفق عليه، وقد جاء فيه حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي". رواه أحمد وأبو داود ، لكن في لفظه: "وأن أباه طلقني وزعم أنه ينتزعه مني".

وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح، وممن حفظنا عنه ذلك: يحيى الأنصاري والزهري ومالك والثوري [ ص: 426 ] والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وقد روينا عن أبي بكر الصديق أنه حكم على عمر به، وبصبي لعاصم لأمه أم عاصم، وقال: حجرها وريحها ومسها خير له منك حتى يشب فيختار.

وأما التخيير: فعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلاما بين أبيه وأمه.

رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ، ورواه أبو داود وقال فيه: "إن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "استهما عليه". قال زوجها: من يحاققني في ولدي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت". فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. ورواه النسائي كذلك، ولم يذكر "استهما عليه". ورواه أحمد كذلك أيضا، لكنه قال فيه: "جاءت امرأة قد طلقها زوجها"، ولم يذكر فيه قولها "قد سقاني ونفعني".

وقد روي تخيير الغلام بين أبويه عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة، فروى سعيد بن منصور وغيره أن عمر بن الخطاب خير غلاما بين أبيه وأمه. وعن عمارة الجرمي أنه قال: خيرني علي بين عمي وأمي وكنت ابن سبع أو ثمان . وروي نحو ذلك عن [ ص: 427 ] أبي هريرة ، ولم يعرف لهم مخالف، مع أنها في مظنة الاشتهار وأما الحديث الثاني فرواه عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جده أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن له صغير لم يبلغ، قال: فأجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - الأب هاهنا والأم هاهنا، ثم خيره وقال: "اللهم اهده"، فذهب إلى أبيه. هكذا رواه أحمد والنسائي .

ورواه أبو داود عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبيهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقعد ناحية"، وقال لها: "اقعدي ناحية"، وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: "ادعواها"، فمالت إلى أمها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اهدها"، فمالت إلى أبيها فأخذها.

وعبد الحميد هذا هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري. وهذا الحديث قد ضعفه بعضهم، فقال ابن المنذر: في إسناده مقال، وقال غيره: هذا الحديث لا يثبته أهل النقل، وقد روي على غير هذا الوجه، وقد اضطرب فيه هل كان المخير ذكرا أم أنثى؟ ومن روى أنه كان أنثى قال فيه: "إنها فطيم" أي مفطومة.

وفعيل بمعنى مفعول إذا كان صفة يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: عين كحيل، وكف خضيب، فيقال للصغير "فطيم" وللصغيرة "فطيم". ولفظ "الفطيم" إنما يطلق على قريب العهد بالفطم، فيكون له نحو ثلاث سنين، ومثل هذا لا يخير باتفاق العلماء. [ ص: 428 ]

وأيضا فإنه خير بين مسلم وكافر، وهذا لا يجوز عند الأئمة الأربعة وغيرهم، فإن القائلين بالتخيير لا يخيرون بين مسلم وكافر، كالشافعي وأحمد. وأما القائلون بأن الكافرة لها حضانة كأبي حنيفة وابن القاسم فلا يخيرون. لكن أبو ثور يقول بالتخيير، فيما حكاه عنه ابن المنذر. والجمهور على أنه لا حضانة لكافر، وهو مذهب مالك والشافعي والبصريين كسوار وعبد الله بن الحسن.

وقال أبو حنيفة وأبو ثور وابن القاسم صاحب مالك: الذمية في ذلك كالمسلمة، وهي أحق بولدها من أبيه المسلم، وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي. وقد قيد ذلك أبو حنيفة فقال: هي أحق بولدها ما لم يعقل الأديان، ويخاف أن يألف الكفر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث