الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ( فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) )

ولما كان صلاح العباد في المعاش والمعاد لا يتم ولا يصلح ولا يستقيم لهم حال إلا بذلك قال :

( ( واعلم بأن الأمر والنهي معا فرضا كفاية على من قد وعا ) )


( ( وإن يكن ذا واحدا تعينا     عليه لكن شرطه أن يأمنا ) )


( ( فاصبر وزل باليد واللسان     لمنكر واحذر من النقصان ) )

( ( واعلم ) ) أيها المتبحر في علم أصول الدين المحرر لدعائم الدين وقواعد الحق المبين ( ( بأن الأمر ) ) أي بالمعروف ، وتقدم أنه اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس كما تقدم قريبا ، ( ( والنهي ) ) عن المنكر وهو ضد المعروف ( ( معا ) ) أي كل واحد منهما [ ص: 427 ] منفردا وكلاهما ( ( فرضا كفاية ) ) على جماعة المسلمين يخاطب به الجميع ويسقط بمن يقوم به ، بخلاف فرض العين فإنه يجب على كل واحد ولا يسقط عنه بفعل غيره ، ( ( على من ) ) أي إنسان أو الذي ( ( قد وعا ) ) أي حفظ حكمه وعلمه وذلك لأن إصلاح المعاش والمعاد إنما هو بطاعة الله ورسوله وامتثال أوامره والانتهاء عن زواجره ، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس قال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ، وقال تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ، وقال تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ، وقال عن بني إسرائيل : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) ، وفي الحديث الثابت عن أمير المؤمنين أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه خطب الناس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " . وفي لفظ من عنده ، رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، وابن ماجه والنسائي ولفظه : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب " . ، وفي رواية لأبي داود سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب " . وفي رواية : " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده " .

( ( وإن يكن ذا ) ) أي الذي علم بالمنكر وتحققه وشاهده وهو عارف بما ينكر ( ( واحدا ) ) أو كانوا عددا ولكن لا يحصل المقصود إلا بهم جميعا ( ( تعينا ) ) أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصارا فرض عين ( ( عليه ) ) أو عليهم للزومه عليهم ( ( ولكن شرطه ) ) أي شرط افتراضه على الجماعة [ ص: 428 ] أو الواحد سواء كانا فرض كفاية أو عين ( ( أن يأمنا ) ) بألف الإطلاق على نفسه وماله ولم يخف سوطا ولا عصا ولا أذى ولا فتنة تزيد على المنكر ، وقيل إذا زادت وجب الكف ، وإن تساويا سقط الإنكار . قال الإمام أحمد - رضي الله عنه - : يأمر بالرفق والخضوع ، فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيكون يريد أن ينتصر . ولهذا قال : " فاصبر " على الأذى ممن تأمره وتنهاه ولا تغضب لنفسك ، بل لله ، ( وزل ) المنكر وغيره من زاله عن مكانه يزيله زيلا وإزالة وإزالا ( ( باليد ) ) وهو أعلى درجات الإنكار ، وإزالة المنكر كإراقة الخمر ، وكسر أواني الذهب والفضة ، والحيلولة بين الضارب والمضروب ونحوه ، ورد المغصوب إلى مالكه ، ( ( و ) ) غير المنكر بـ ( ( اللسان ) ) حيث لم تستطع تغييره باليد بأن تعظه وتذكره بالله وأليم عقابه وتوبخه وتعنفه مع لين وإغلاظ بحسب ما يقتضيه الحال ، وقد يحصل المقصود في بعض المحال بالرفق والسياسة بأزيد وأتم مما يحصل بالعنف والرياسة ، كأن يقول لمن رآه متكشفا في نحو حمام : استر سترك الله ، ونحو ذلك ( ( لمنكر ) ) متعلق بزل وفي نسخة بدل زل " ذد " أي اطرد وامنع للمنكر باليد واللسان ، ( ( واحذر ) ) من النزول عن أعلى المراتب حيث قدرت على أن تغير المنكر بيدك إلى أوسطها وهو الإنكار باللسان إلا مع العجز عن ذلك ، ثم إنه لا يسوغ لك العدول عن التغيير للمنكر باللسان وأنت تقدر عليه إلى الإنكار بالقلب ، فإن لم تستطع تغيير المنكر لا بيدك ولا بلسانك فاعدل إلى الإنكار بقلبك وهو أضعف الإيمان ، فلذا حذر ( ( من النقصان ) ) .

وأشار بذلك إلى حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " . رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي ، ولفظه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برئ ، ومن لم يستطيع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ ، ومن لم يستطيع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ ، وذلك أضعف الإيمان " . وفي صحيح مسلم أيضا من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه [ ص: 429 ] وسلم - قال : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " . وفي هذا الباب عدة أحاديث وقد دلت كلها على إنكار المنكر بحسب القدرة عليه ، وأن إنكاره بالقلب لا بد منه ، فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه .

وقد روي عن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال قال علي - رضي الله عنه - : إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ، ثم الجهاد بألسنتكم ، ثم الجهاد بقلوبكم ، فمن لم يعرف قلبه المعروف ، وينكر قلبه المنكر نكس ، فجعل أعلاه أسفله . وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - : هلك من لم يعرف المعروف وينكر المنكر بقلبه . يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد ، فمن لم يعرفه هلك ، وأما الإنكار باليد واللسان فإنما يجب بحسب الطاقة . وفي سنن أبي داود عن العرس بن عميرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها ورضيها كان كمن شهدها " . وخرج ابن أبي الدنيا نحوه عن أبي هريرة مرفوعا .

واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كون ذلك واجبا تارة يحمل عليه رجاء الثواب ، وتارة خوف العقاب في تركه ، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه ، وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ، ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة ، وتارة يحمل عليه إجلال الله وإعظامه ومحبته وأنه أهل أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر ، وأن يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال كما قال بعض السلف : وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض .

فمن لحظ ما ذكرناه هان عليه ما يلقاه من الأذى في الله - عز وجل - ، قال سفيان الثوري - قدس الله روحه - : لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كانت فيه خصال ثلاث : رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى ، عدل بما يأمر عدل [ ص: 430 ] بما ينهى ، عالم بما يأمر عالم بما ينهى . وقال الإمام أحمد - رضي الله عنه - : الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق ، الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل معلن بالفسق فلا حرمة له . ولاعتبار كون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عدلا بما ينهى ، أشار بقوله :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث