الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في انقسام جلب المصالح ودرء المفاسد إلى فروض كفايات وفروض أعيان

اعلم أن المصالح ضربان : أحدهما ما يثاب على فعله لعظم المصلحة في فعله ، ويعاقب على تركه لعظم المفسدة في تركه وهو ضربان : أحدهما فرض على الكفاية كتعلم الأحكام الشرعية الزائدة على ما يتعين تعلمه على المكلفين إلى نيل رتبة الفتيا ، وكجهاد الطلب وجهاد الدفع ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإطعام المضطرين ، وكسوة العارين وإغاثة المستغيثين ، والفتاوى والأحكام بين ذوي الاختصام ، والإمامة العظمى والشهادات ، وتجهيز الأموات ، وإعانة الأئمة والحكام وحفظ القرآن .

والثاني : فرض [ ص: 51 ] على الأعيان كتعلم ما يتعين تعلمه من أحكام الشريعة ، وقراءة الفاتحة ، وأركان الصلاة ، وغير ذلك من عبادات الأعيان ، وكذلك الحج والعمرة والصلوات والزكاة والصيام . واعلم أن المقصود لفرض الكفاية تحصيل المصالح ودرء المفاسد دون ابتلاء الأعيان بتكليفه ، والمقصود بتكليف الأعيان حصول المصلحة لكل واحد من المكلفين على حدته ، لتظهر طاعته أو معصيته ، فلذلك لا يسقط فرض العين إلا بفعل المكلف به ، ويسقط فرض الكفاية بفعل القائمين به دون من كلف به في ابتداء الأمر .

أما سقوطه عن فاعليه فلأنهم قاموا بتحصيل مصلحته ، وأما سقوطه عن الباقين فلتعذر التكليف به والتكليف تارة يسقط بالامتثال ، وتارة يسقط بتعذر الامتثال ، فإذا خاض في فرض الكفاية من يستقل به ثم لحقه آخرون قبل تحصيل مصلحته ، كان ما فعلوه فرضا وإن حصلت الكفاية بغيرهم ، لأن مصلحته لم تحصل بعد ذلك ، ولذلك أمثلة : أحدها : أن يخرج إلى العدو من يستقل بدفعهم ثم يلحق بهم آخرون قبل انقضاء القتال ، فيكتب لهم أجر الفرض ، وإن تفاوتت رتبهم في الثواب بقلة العمل وكثرته .

المثال الثاني : أن يقوم بغسل الميت أو تكفينه أو الصلاة عليه أو حمله أو دفنه من تحصل به الكفاية ، ثم يلحقهم من يشاركهم في ذلك ، فيكون له أجر فرض الكفاية على قدر عمله .

المثال الثالث : أن يشتغل بعلم الشرع من تحصل به الكفاية الواجبة ، ثم يلحق بهم من يشتغل به فيكون مفترضا لأن المصلحة لم تكمل بعد . فإن قيل : لو صلى على الجنازة ثانيا من لم يصل عليها أولا بعد إسقاط فرضها في الحكم لكانت الصلاة الثانية فرضا عند أصحاب الشافعي ، فكيف يحكم بأنها فرض مع سقوط الفرض بصلاة السابقين ، وليس هذا [ ص: 52 ] كاللاحقين في الصلاة ، لأن مصلحة الفرض لا تحصل إلا بالتحلل من الصلاة ؟ فالجواب : أن جميع مصالح فروض الكفاية إذا أتي بها فقد دخلت في الوجود قطعا ولا يغلب ذلك على الظن ، ومصلحة فرض الصلاة على الميت لا يقطع بدخولها في الوجود ، لأن مقصودها الأعظم إجابة الدعاء وهو غيب لا اطلاع لنا عليه ، فمن الجائز أن يقبل دعاء من تقدم إلى الصلاة فتكون الصلاة الثانية محصلة للمصلحة التي هي إجابة الدعاء ، إذ لا يلزم من ههنا من ظهور المصلحة - إذا صلى عليه الأبرار - أن يتحقق في الباطن ، بخلاف مصالح فروض الكفاية فإنها تتحقق ظاهرا وباطنا . ولذلك يكرر الدعاء على المطلوب الواحد كدعاء الفاتحة والقنوت وبين السجدتين ، وكذلك يكرر التسليم والترحم على الأموات ، ولو علمت الإجابة لكان الدعاء عبثا ، وكذلك تكرير التسليم عند اللقاء والافتراق مع كونه دعاء بكل سلامة .

وكذلك كرر الرسول صلى الله عليه وسلم الاستغفار في اليوم الواحد سبعين مرة أو مائة مرة ولم يكن ذلك لكثرة ما يستغفر منه بل للإلحاح في الاستغفار على تقصير واحد أو تقصيرين والله يحب الملحين في الدعاء .

فإن قيل : كيف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع وعده بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قلنا وعد بغفران مبني على استغفاره كما وعد المؤمنون بنعيم الجنان المبني على الطاعات والإيمان .

فإن قيل : هلا وجب تكرير صلاة الجنازة إلى أن يغلب على الظن حصول الإجابة ؟ قلنا لا تكرر لما في التكرير من المشقة ولا ضابط لغلبة الظن في ذلك . فإن قيل . إذا بعد سقوط الفرض بصلاة الفجرة الذين نبعد إجابة دعائهم فهلا وجب أن يكون المصلون بررة يغلب على الظن قبول دعائهم ؟ فالجواب أن البررة لا يتيسرون في أوقات حضور الجنائز [ ص: 53 ] ورب فاجر مقبول الدعاء لشدة تضرعه وقيامه بآداب الدعاء ، ورب بر مردود الدعاء لتقصيره في القيام بآدابه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث