الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التسليم والانقياد والمثول والاعتماد على مقتضى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب


( ( والحمد لله على التوفيق لمنهج الحق على التحقيق ) )


( ( مسلما لمقتضى الحديث     والنص في القديم والحديث ) )


( ( لا أعتني بغير قول السلف     موافقا أئمتي وسلفي ) )



( ( والحمد لله على التوفيق ) ) وهذا حمد في مقابلة نعمة التأهيل لهذا الفضل الجزيل والمشرب الصافي من ينبوع التنزيل من غير إلحاد ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل ، والتوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة . قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه شرح منازل السائرين : قد أجمع العارفون بالله أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك ، والخذلان ضده وهو أن يخلي بينك وبينها ، فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه ، بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا ، فيطيع مولاه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه ، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له ، فهو دائر بين توفيقه وخذلانه ، فإن وفقه فبفضله ورحمته وإن خذله فبعدله وحكمته ، وهو سبحانه المحمود في هذا وهذا له أتم حمد وأكمله ، لم يمنع العبد شيئا هو له وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله .

قال : فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه علم ضرورته وفاقته [ ص: 451 ] إلى التوفيق في كل نفس ولحظة وطرفة عين ، وأن توحيده وإيمانه ممسك بيد غيره لو تخلى عنه طرفة عين لثل عرشه ولخرت سماء إيمانه على الأرض ، وأن الممسك له من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، فدأبه بقلبه ولسانه : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك ، ودعواه : يا حي يا قيوم ، يا بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت ، برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك .

ثم قال : والتوفيق هو إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا مؤثرا على غيره ، ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه ، وهذا مجرد فعله تعالى والعبد محل له ، قال تعالى : ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ) فهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصلح له ، حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله ولا يضعه عند غير أهله . وذكر هذا عند عقيب قوله : ( واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) ، ثم جاء بحرف الاستدراك فقال : ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه ) ، قال : وقد فسرت الجبرية وغيرهم التوفيق بأنه خلق الطاعة والخذلان خلق المعصية ، وبنوا ذلك على أصولهم الفاسدة من إنكار الأسباب والحكم ، وردوا الأمر إلى محض المشيئة من غير سبب ولا حكمة ، قال : وقابلهم القدرية ففسروا التوفيق بالبيان العام والهدى العام والتمكن من الطاعة والاقتدار عليها وتهيئة أسبابها ، قال : وهذا حاصل لكل فرد كافر ومشرك بلغته الحجة وتمكن من الإيمان . وقد قدمنا في الكلام على القدر ما لعله يكفي ويشفي وبالله التوفيق .

وقوله ( ( لمنهج الحق على التحقيق ) ) متعلق بالتوفيق ، والمنهج الطريق الواضح كالنهج والمنهاج . والحق هو الحكم المطابق للواقع ، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ، ويقابله الباطل ، وأما الصدق فشاع في الأقوال خاصة ، ويقابله الكذب ، وقد يفرق بين الحق والصدق بأن المطابقة تعتبر في الحق [ ص: 452 ] من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه ، والتحقيق إيقاع الأشياء في محالها وردها إلى حقائقها ، يقال : حقق الطريق ركب حاقته وحقق الأمر تيقنه ، وقوله ( ( مسلما ) ) حال من معمول التوفيق أي والحمد لله على توفيقي لمنهج الحق حال كوني مسلما ، ( ( لمقتضى الحديث ) ) أي لما يقتضيه الحديث الصحيح النبوي ( ( والنص ) ) الصريح القرآني ، وقدم الحديث لمراعاة القافية ولشدة الاعتناء بالتمسك بالسنة النبوية ، والأحاديث المرضية كالنص كما هو في نسخة وهي أولى وأحرى وحينئذ فالنص هو المقدم وسواء أدركنا معناه بعقولنا أو لم ندركه ، وهذا هو الحق الواجب على كل مسلم بما أخبر به الله ورسوله من صفاته وغيرها ليس موقوفا على أن يقوم دليل عقلي على ذلك ، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به ، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا .

ومن لم يقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله تعالى عنهم : ( قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية ، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به إذا كان الذي لم يعلمه بعقله لا يصدق به بل يتأوله ، وما لم يخبره به إن علمه بعقله آمن به ، ومن سلك هذا السبيل فوجود الرسول وأخباره وعدمهما عنده سواء ، وما يذكر من القرآن والحديث والإجماع لا أثر له عند هؤلاء ، وقد صرح بذلك جماعة من أئمة المتكلمة ، وتقدم هذا في الباب الأول بعد قولنا :

فكل ما قد جاء في الدليل     فثابت من غير ما تمثيل

.

وقوله ( ( في القديم والحديث ) ) يحتمل معنيين كلاهما مراد : ( أحدهما ) راجع إلى الناظم وهو أن هذا عقيدتي واعتمادي ، ومبنى عصمتي واعتقادي التسليم والانقياد والمثول والاعتماد على مقتضى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية سواء أدركنا معانيها بعقولنا ، أو قصرت عن إدراك حقائقها [ ص: 453 ] ألبابنا وآراؤنا ، وهذا في أول زمان وجود إدراك فهمي ولم ينفك عن هذا عقد لبي ودليل علمي ، فقديم زمني وحديثه على ذلك وهو على نهجه القويم ، وإن تباينت المسالك ، ( الثاني ) أن مبنى علمي وحقيقة حجتي وفهمي وعصمتي وسندي إنما هو النص القرآني والخبر الصحيح النبوي ، وما أجمع عليه السلف سواء في ذلك الأحكام المتعلقة بالعبادات ونحوها من المعاملات والأنكحة والجنايات والحدود والكفارات ، أو الأخبار عن البرزخ والمعاد وما للعالم من شقوة أو إسعاد ، هذا وهذا ونحوه مما يتعلق بالحادث والحوادث ، أو كان مما يتعلق بالقديم الديان من الذات والصفات والقرآن حسبما برهنا على ذلك في شرحنا على قدر الإمكان ، مما يعلمه الناظر فيه بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة والأدلة النافعة والإلزامات القامعة .

( ( لا أعتني ) ) في أصل نظم عقيدتي هذه بقول قائل وإن جل أمره وشاع ذكره ( ( بغير قول السلف ) ) أي لا أعول ولا يهمني ولا يعنيني في نظم عقد توحيدي إلا قول السلف الصالح والرعيل الأول الفالح ، وفي نسخة

لا أعتني إلا بقول السلف

، ولست في ذلك منفردا ولا ناهجا نهجا منتقدا ، بل في نهجي المذكور وسيري المشكور حال كوني ( ( موافقا أئمتي ) ) من أئمة أهل الأثر ، ( ( وسلفي ) ) في ذلك من كل همام معتبر ، قد سبروا الأخبار ودونوا الآثار ، وعرفوا ما كان عليه النبي المختار وما اقتفاه عليه أصحابه الأبرار وأصهاره الأخيار وأنصاره الأطهار - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ما تعاقب الليل والنهار - ، وقد قال : " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي ما أنا عليه وأصحابي " . وتقدم ذلك في المقدمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث