الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فروع في البيع

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 516 ] فروع ] ما يستجره الإنسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها جاز استحسانا . بيع البراءات التي يكتبها الديوان على العمال لا يصح بخلاف بيع حظوظ الأئمة [ ص: 517 ] لأن مال الوقف قائم ثمة ولا كذلك هنا أشباه وقنية . ومفاده : أنه يجوز للمستحق بيع خبزه قبل قبضه من المشرف بخلاف الجندي بحر وتعقبه في النهر

التالي السابق


. ( قوله : ما يستجره الإنسان إلخ ) ذكر في البحر أن من شرائط المعقود عليه أن يكون موجودا ، فلم ينعقد بيع المعدوم ثم قال : ومما تسامحوا فيه ، وأخرجوه عن هذه القاعدة ما في القنية الأشياء التي تؤخذ من البياع على وجه الخرج كما هو العادة من غير بيع كالعدس والملح والزيت ونحوها ثم اشتراها بعدما انعدمت صح . ا هـ .

فيجوز بيع المعدوم هنا . ا هـ .

وقال : بعض الفضلاء : ليس هذا بيع معدوم إنما هو من باب ضمان المتلفات بإذن مالكها عرفا تسهيلا للأمر ودفعا للحرج كما هو العادة ، وفيه أن الضمان بالإذن مما لا يعرف في كلام الفقهاء حموي ، وفيه أيضا أن ضمان المثليات بالمثل لا بالقيمة والقيميات بالقيمة لا بالثمن ط . قلت : كل هذا قياس ، وقد علمت أن المسألة استحسان ويمكن تخريجها على فرض الأعيان ، ويكون ضمانها بالثمن استحسانا وكذا حل الانتفاع في الأشياء القيمية ; لأن قرضها فاسد لا يحل الانتفاع به ، وإن ملكت بالقبض وخرجها في النهر على كون المأخوذ من العدس ونحوه بيعا بالتعاطي ، وأنه لا يحتاج في مثله إلى بيان الثمن ; لأنه معلوم . ا هـ .

واعترضه الحموي بأن أثمان هذه تختلف فيفضي إلى المنازعة . ا هـ .

قلت : ما في النهر مبني على أن الثمن معلوم ، لكنه على هذا لا يكون من بيع المعدوم بل كلما أخذ شيئا انعقد بيعا بثمنه المعلوم قال : في الولوالجية : دفع دراهم إلى خباز فقال : اشتريت منك مائة من من خبز ، وجعل يأخذ كل يوم خمسة أمناء فالبيع فاسد وما أكل فهو مكروه ; لأنه اشترى خبزا غير مشار إليه ، فكان المبيع مجهولا ولو أعطاه الدراهم ، وجعل يأخذ منه كل يوم خمسة أمنان ولم يقل في الابتداء اشتريت منك يجوز وهذا حلال وإن كان نيته وقت الدفع الشراء ; لأنه بمجرد النية لا ينعقد البيع ، وإنما ينعقد البيع الآن بالتعاطي والآن المبيع معلوم فينعقد البيع صحيحا . ا هـ .

قلت : ووجهه أن ثمن الخبز معلوم فإذا انعقد بيعا بالتعاطي وقت الأخذ مع دفع الثمن قبله ، فكذا إذا تأخر دفع الثمن بالأولى ، وهذا ظاهر فيما كان ثمنه معلوما وقت الأخذ مثل الخبز واللحم أما إذا كان ثمنه مجهولا فإنه وقت الأخذ لا ينعقد بيعا بالتعاطي لجهالة الثمن ، فإذا تصرف فيه الآخذ وقد دفعه البياع برضاه بالدفع وبالتصرف فيه على وجه التعويض عنه لم ينعقد بيعا ، وإن كان على نية البيع لما علمت من أن البيع لا ينعقد بالنية ، فيكون شبيه القرض المضمون بمثله أو بقيمته فإذا توافقا على شيء بدل المثل أو القيمة برئت ذمة الآخذ ، لكن يبقى الإشكال في جواز التصرف فيه إذا كان قيميا فإن قرض القيمي لا يصح فيكون تصحيحه هنا استحسانا كقرض الخبز والخميرة ويمكن تخريجه على الهبة بشرط العوض ، أو على المقبوض على سوم الشراء . ثم رأيته في الأشباه في القول في ثمن المثل حيث قال : ومنها لو أخذ من الأرز والعدس وما أشبهه ، وقد كان دفع إليه دينارا مثلا لينفق عليه ثم اختصما بعد ذلك في قيمته هل تعتبر قيمته يوم الأخذ أو يوم الخصومة . قال : في التتمة : تعتبر يوم الأخذ قيل : له لو لم يكن دفع إليه شيئا بل كان يأخذ منه على أن يدفع إليه ثمن ما يجتمع عنده قال : يعتبر وقت الأخذ ; لأنه سوم حين ذكر الثمن . ا هـ .

( قوله : بيع البراءات ) جمع براءة وهي الأوراق التي يكتبها كتاب الديوان على العاملين على البلاد بحظ كعطاء أو على الأكارين بقدر ما عليهم وسميت براءة ; لأنه يبرأ بدفع ما فيها ط . ( قوله : بخلاف بيع حظوظ الأئمة ) بالحاء المهملة والظاء المشالة جمع حظ ، بمعنى : النصيب المرتب له من الوقف أي فإنه يجوز بيعه ، وهذا مخالف لما في الصيرفية فإن مؤلفها سئل عن بيع الحظ فأجاب لا يجوز ، ط عن حاشية الأشباه . [ ص: 517 ] قلت : وعبارة الصيرفية هكذا سئل عن بيع الخط قال : لا يجوز ; لأنه لا يخلو إما إن باع ما فيه أو عين الخط لا وجه للأول ; لأنه بيع ما ليس عنده ولا وجه للثاني ; لأن هذا القدر من الكاغد ليس متقوما بخلاف البراءة ; لأن هذه الكاغدة متقومة . ا هـ . قلت : ومقتضاه أن الخط بالخاء المعجمة والطاء المهملة ، وهذه لا يخالف ما ذكره الشارح ; لأن المراد بحظوظ الأئمة ما كان قائما في يد المتولي من نحو خبز أو حنطة قد استحقه الإمام ، وكلام الصيرفية فيما ليس بموجود . ( قوله : ثمة ) أي هناك أي في مسألة بيع حظوظ الأئمة وأشار إليها بالبعيد ; لأن الكلام كان في بيع البراءات ; ولذا أشار إليها بلفظ هنا . ( قوله : من المشرف ) أي المباشر الذي يتولى قبض الخبز . ( قوله : بخلاف الجندي ) أي إذا باع الشعير المعين لعلف دابته من حاشية السيد أبي السعود .

مطلب في بيع الاستجرار . ( قوله : وتعقبه في النهر ) أي تعقب ما ذكر من مسألة بيع الاستجرار وما بعده حيث قال : أقول : الظاهر أن ما في القنية ضعيف لاتفاق كلمتهم على أن بيع المعدوم لا يصح ، وكذا غير المملوك ، وما المانع من أن يكون المأخوذ من العدس ونحوه بيعا بالتعاطي ولا يحتاج في مثله إلى بيان الثمن ; لأنه معلوم كما سيأتي ، وحظ الإمام لا يملك قبل القبض فأنى يصح بيعه ، وكن على ذكر مما قاله ابن وهبان في كتاب الشرب ما في القنية إذا كان مخالفا للقواعد لا التفات إليه ما لم يعضده نقل من غيره . ا هـ . وقدمنا الكلام على بيع الاستجرار وأما بيع حظ الإمام فالوجه ما ذكره من عدم صحة بيعه ، ولا ينافي ذلك أنه لو مات يورث عنه ; لأنه أجرة استحقها ولا يلزم من الاستحقاق الملك كما قالوا في الغنيمة بعد إحرازها بدار الإسلام فإنها حق تأكد بالإحراز ، ولا يحصل الملك فيها للغانمين إلا بعد القسمة ، والحق المتأكد يورث كحق الرهن والرد بالعيب ، بخلاف الضعيف كالشفعة وخيار الشرط كما في الفتح . وعن هذا بحث في البحر هناك بأنه ينبغي التفصيل في معلوم المستحق بأنه إن مات بعد خروج الغلة وإحراز الناظر لها قبل القسمة يورث نصيبه لتأكد الحق فيه كالغنيمة بعد الإحراز ، وإن مات قبل ذلك لا يورث ، لكن قدمنا هناك أن معلوم الإمام له شبه الصلة وشبه الأجرة والأرجح الثاني ، وعليه يتحقق الإرث ولو قبل إحراز الناظر . ثم لا يخفى أنها لا تملك قبل قبضها فلا يصح بيعها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث