الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لمفت رد الفتيا على غيره

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل : لمفت ردها ) أي : رد الفتيا ( و ) محله إذا كان ( في البلد غيره ) أي : الراد . وهو ( أهل لها ) أي : للفتيا ( شرعا ) وهذا الذي عليه جماهير العلماء ; لأن الفتيا - والحالة هذه - في حقه سنة . وقال الحليمي الشافعي : ليس له ردها ، ولو كان في البلد غيره . لأنه بالسؤال تعين عليه الجواب ( وإلا ) أي : وإن لم يكن في البلد غيره ( لزمه الجواب ) قطعا ، ذكره أبو الخطاب وابن عقيل وغيرهما ( إلا عما لم يقع ) فإنه لا يلزمه الجواب عنه ( و ) إلا ( ما لا يحتمله سائل ) فإنه لا يلزمه إجابته ( و ) إلا ( ما لا ينفعه ) أي : ينفع السائل من الجواب ، فإنه يلزمه أن يجيبه ، وقد سئل الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه عن يأجوج ومأجوج . أمسلمون هم ؟ فقال للسائل : أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا ؟ وسئل عن مسألة في اللعان ؟ فقال : سل - رحمك الله - عما ابتليت به ، وسأله مهنا عن مسألة ؟ فغضب [ ص: 629 ] وقال : خذ - ويحك - فيما تنتفع به ، وإياك وهذه المسائل المحدثة ، وخذ ما فيه حديث .

وسئل عن مسألة ؟ فقال : ليت إنا نحسن ما جاء فيه الأثر . ولأحمد عن ابن عمر " لا تسألوا عما لم يكن ، فإن عمر نهى عن ذلك " وله أيضا عن ابن عباس ، أنه قال عن الصحابة : ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ، واحتج الشافعي على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله تعالى { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم } { وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال } وفي لفظ { إن الله كره لكم ذلك } متفق عليهما .

وفي حديث اللعان { فكره صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها } قال البيهقي : كره السؤال عن المسألة قبل كونها إذا لم يكن فيها كتاب أو سنة ; لأن الاجتهاد إنما يباح ضرورة ، ثم روي عن معاذ : " أيها الناس : لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله " وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا : معناه . قال ابن عباس لعكرمة " من سألك عما لا يعنيه فلا تفته " وسأل المروزي أحمد رضي الله تعالى عنه عن شيء من أمر العدل . فقال : لا تسأل عن هذا ، فإنك لا تدركه ، وذكر ابن عقيل : أنه يحرم إلقاء علم لا يحتمله السامع ، لاحتمال أن يفتنه وذكر ابن الجوزي : أنه لا ينبغي إلقاء علم لا يحتمله السامع ، قال البخاري : قال علي " حدثوا الناس بما يعرفون ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ " وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود " ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم " وعن معاوية مرفوعا { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلوطات } رواه أحمد وأبو داود . قيل - بفتح الغين واحدها غلوطة - وهي المسائل التي يغالط بها ، وقيل : بضمها ، وأصلها الأغلوطات ( وكان السلف يهابونها ويشددون فيها ، ويتدافعونها ) وأنكر أحمد وغيره على من تهجم في الجواب ، وقال : لا ينبغي أن يجيب في كل ما يستفتى فيه .

( ويحرم التساهل فيها وتقليد معروف به ) أي : بالتساهل ; لأن أمر الفتيا خطر ، فينبغي أن يتبع السلف في ذلك ، فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرا ، وقد قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : إذا هاب الرجل [ ص: 630 ] شيئا لا ينبغي أن يحمل على أن يقوله ، وقال بعض الشافعية : من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسألة ، من غير نظر في ترجيح ولا تقيد به : فقد جهل وخرق الإجماع ، وذكر عن أبي الوليد الباجي : أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول : الذي لصديقي علي : أن أفتيه بالرواية التي توافقه . قال أبو الوليد : وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث