الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل :

[ حكم التزام الطلاق ]

المخرج السادس : أخذه بقول من يقول إن التزام الطلاق لا يلزم ، ولا يقع به طلاق ولا حنث ، وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام ، كقوله : " الطلاق يلزمني ، أو لازم لي ، أو ثابت علي ، أو حق علي ، أو واجب علي ، أو متعين علي إن فعلت ، أو إن لم أفعله " ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه ، وبه أفتى القفال في قوله : " الطلاق يلزمني " ونحن نذكر كلامهم بحروفه .

[ كلام الحنفية ]

قال صاحب الذخيرة من الحنفية : لو قال لها : " طلاقك علي واجب ، أو لازم ، أو فرض ، أو ثابت " ذكر أبو الليث خلافا بين المتأخرين ; فمنهم من قال : يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينو ، ومنهم من قال : لا يقع نوى أو لم ينو ، ومنهم من قال : في قوله : " واجب " يقع بدون النية ، وفي قوله : " لازم " لا يقع ، وإن نوى ، وعلى هذا الخلاف إذا قال : " إن فعلت كذا فطلاقك علي واجب ، أو قال لازم ، أو ثابت " ففعلت ، وذكر القدوري في شرحه أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكل ، وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكل ، وعن محمد أنه يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب ، ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوع ومن اختار عدمه ، فقال : وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل .

[ كلام الشافعية ]

وقال القفال في فتاويه : إذا قال : " الطلاق يلزمني " فليس بصريح ولا كناية ، حتى لا يقع به ، وإن نواه ، ولهذا القول مأخذان ; أحدهما : أن الطلاق لا بد فيه من الإضافة إلى المرأة ، ولم تتحقق الإضافة هاهنا ، ولهذا لو قال : " أنا منك طالق " لم تطلق ، ولو قال لها : " طلقي نفسك " فقالت : " أنت طالق " لم تطلق ، والمأخذ الثاني - ، وهو مأخذ أصحاب أبي حنيفة - : أنه التزام لحكم الطلاق ، وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه ، وكأنه قال : " فعلي أن [ ص: 74 ] أطلقك " ، وهو لو صرح بهذا لم تطلق بغير خلاف ; فهكذا المصدر ، وسر المسألة أن ذلك التزام لأن يطلق أو التزام لطلاق واقع ; فإن كان التزاما لأن يطلق لم تطلق ، وإن كان التزاما لطلاق واقع فكأنه قال : " إن فعلت كذا فأنت طالق طلاقا يلزمني " طلقت إذا وجد الشرط ، ولمن رجح هذا أن يحيل فيه على العرف ; فإن الحالف لا يقصد إلا هذا ، ولا يقصد التزام التطليق ، وعلى هذا فيظهر أن يقال : إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلق ، وإن نوى وقوع الطلاق طلقت ، وهذا قول أبي يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي ، ومن جعله صريحا في وقوع الطلاق حكم فيه بالعرف وغلبة استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق ، وهذا قول أبي المحاسن الروياني ، والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي ، حكاها شارح التنبيه وغيره .

[ قولان آخران للحنفية ]

وفي المسألة قولان آخران ، وهما للحنفية : أحدهما : أنه إن قال : " فالطلاق علي واجب " يقع نواه أو لم ينوه ، وإن قال : " فالطلاق لي لازم " لا يقع نواه أو لم ينوه ، ووجه هذا الفرق أن قوله " لازم " التزام لأن يطلق ; فلا تطلق بذلك ، وقوله " واجب " إخبار عن وجوبه عليه ، ولا يكون واجبا إلا وقد وقع ولمن سوى بينهما أن يقول : هو إيجاب للتطليق ، وإخبار عن وقوع الطلاق ، ولا ريب أن اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله : " الطلاق يلزمني " سواء ، وهذا هو الصواب ، والفرق تحكم .

والثاني : قول محمد بن الحسن ، وهو عكس هذا القول ، أن الطلاق يقع بقوله : " الطلاق لي لازم ، أو يلزمني " ولا يقع بقوله : " هو علي واجب " وعلى هذا الخلاف قوله : " إن فعلت كذا فالعتق يلزمني ، أو فعلي العتق ، أو فالعتق لازم لي ، أو واجب علي " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث