الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل )

في أحكام معنوية للموصى به مع بيان ما يفعل عن الميت وما ينفعه ( تصح الوصية بمنافع ) نحو ( عبد ودار ) كما قدمه ووطأ به هنا لما بعده ( وغلة ) عطف على منافع ( حانوت ) ودار مؤبدة ومؤقتة ومطلقة وهي للتأبيد ، وما اقتضاه عطف الغلة على المنفعة من تغايرهما صحيح ، ومن ثم اعترض الشيخان إطلاقهم التسوية بين المنفعة والغلة والكسب والخدمة في القن والمنفعة والسكنى والغلة في الدار ، ثم استحسنا أن المنفعة تتناول الخدمة والسكنى أي وغيرهما مما صرحا به قبل لكن بقيده الآتي في الغلة ، وأن كلا من الخدمة والسكنى لا يفيد غيره ومن ثم لو استأجر قنا للخدمة لم يكلفه نحو كتابة وبناء قالا بل ينبغي أن الوصية بالغلة أو الكسب لا تفيد استحقاق سكنى ولا ركوب ولا استخدام وبواحد من هذه الثلاثة لا تفيد استحقاق غلة ولا كسب ؛ لأن الغلة فائدة عينية والمنفعة مقابلة للعين ا هـ [ ص: 61 ] ولا ينافي ما ذكراه في المنفعة خلافا لمن توهمه شمولها للكسب لما يأتي أنه بدلها ، وقول ابن الرفعة الخدمة أن تفيد ما تفيده المنفعة ضعيف ، وكذا قوله إن الغلة تفيد السكنى وقوله ليس في للغلة محمل في الدار غير المنفعة ، وكون المنفعة مقابلة للعين لا يمنع أن الغلة المضافة للدار بمعنى المنفعة ا هـ وقال غيره الوجه أن المنافع تشمل الغلة والكسب ، والغلة وإن كانت فائدة عينية هي معدودة من منافع الأرض والغلة والكسب لا تفيد نحو ركوب وسكنى ومنفعة بل ما يحصل من الغلة والكسب خاصة .

والمفهوم من المنفعة أعم مما يفهم منهما ا هـ وفي بعضه نظر يعرف مما تقرر ، والحاصل أن ما ذكره الشيخان صحيح ومن ثم اعتمده المحققون ، وأن المنفعة تطلق على ما يقابل العين ومن ثم فسرها الإمام وغيره هنا بأنها ما ملك بعقد الإجارة الصحيح والمملوك به قصدا هو محض المنفعة لا غير واستتباعها للعين إنما هو للضرورة أو الحاجة كما بينوه ثم ، وهذا الإطلاق هو المتبادر منها هنا فمن ثم حملوها عليه كما حملوا الوصية على عود اللهو فيما مر لذلك ، وقد تطلق على ما هو أعم من ذلك فتشمل حتى الغلة التي هي الفوائد العينية الحاصلة لا بفعل أحد وهذا لا يعمل به هنا إلا لقرينة فالغلة قسمان قسم يحصل بدل استيفاء منفعة فتتناوله المنفعة بلا قرينة وقسم يحصل بنفسه فهو أجنبي عن المنفعة فاحتاج تناولها له إلى قرينة ومن هذا يعلم أنه لا يصح الإيصاء بدراهم يتجر فيها الوصي ، ويتصدق بما يحصل من ربحها ؛ لأن الربح بالنسبة لها لا يسمى غلة ولا منفعة للعين الموصى بها ؛ لأنه لا يحصل إلا بعد زوالها ، وهذا واضح خلافا لمن وهم فيه ، وأن الذي يتجه في نحو النخلة والشاة أنه إن أوصى بفوائدهما أو بغلتهما اختص بنحو الثمرة واللبن والصوف أو بمنافعهما لم يدخل نحو الثمرة إلا إن قامت قرينة ظاهرة على إرادة ما يشمل الغلة بأن لم يكن لها منفعة تقصد غير نحو ثمرتها ، أو اطرد عرف الموصي بذلك ، وقد مر لذلك نظائر فإن قلت ما منفعة النخلة والشاة غير الغلة قلت ربط نحو الدواب في النخلة ونشر نحو الثياب عليها ونحو دياسة الشاة للحب ، فإنه يصح استئجارها لذلك كما صرحوا به ( تنبيه )

وقع في الروضة هنا أنه لو أوصى بخدمة عبده سنة غير معينة كان تعيينها للوارث ، ونازع فيه الأذرعي ثم قال ينبغي حملها على سنة متصلة بموته وكأنه أخذ هذا من نظيره الآتي أنه لو أوصى بمنفعة داره سنة حملت على السنة التي تلي الموت ، وهو أخذ ظاهر إلا أن يفرق بأنه هنا أبقى للوارث شركة في المنافع إذ ما عدا الخدمة من نحو كتابة وبناء له خلافا لابن الرفعة كما تقرر وعند بقاء حق للوارث تكون الخيرة في تسليم ما عداه إليه ؛ لأنه أصلي والموصى له عارض فلقوة حقه كان التعيين إليه ، وأما ثم فلم يبق له حقا في المنفعة فلم يعارض حق الموصى له فانصرف حقه لأول سنة تلي الموت إذ [ ص: 62 ] لا معارض له فيها فتأمله ومما يؤيد ذلك قول القاضي لو أوصى بثمرة هذا البستان سنة ، ولم يعينها فتعيينها للوارث أي ؛ لأنه بقيت له المنافع غير الثمرة فهو كالوصية بالخدمة فيما ذكر ( ويملك الموصى له ) بالمنفعة وكذا بالغلة إن قامت قرينة على أن المراد بها مطلق المنفعة أو اطرد العرف بذلك فيما يظهر نظير ما مر ( منفعة ) نحو ( العبد ) الموصى بمنفعته فليست إباحة ولا عارية للزومها بالقبول .

ومن ثم جاز له أن يؤجر ويعير ويوصي بها ويسافر به عند الأمن ، ويده يد أمانة وورثت عنه ، ومحل ذلك في غير مؤقتة بنحو حياته على اضطراب فيه ، وإلا كانت إباحة فقط كما لو أوصى له بأن ينتفع أو يسكن أو يركب أو يخدمه فلا يملك شيئا مما مر ، ويأتي لأنه لما عبر بالفعل وأسنده إلى المخاطب اقتضى قصوره على مباشرته بخلاف منفعته أو خدمته أو سكناها أو ركوبها خلافا لابن الرفعة ، والتعبير بالاستخدام كهو بأن يخدمه بخلاف الخدمة كما هو واضح ، ويستقل الموصى له بتزويج العبد أي إن كانت الوصية مؤبدة وإلا احتيج إلى إذن الوارث أيضا فيما يظهر كما أنه لا بد من رضاهما في الأمة مطلقا ( و ) يملك أيضا ( أكسابه المعتادة ) كاحتطاب واصطياد وأجرة حرفة ؛ لأنها أبدال المنافع الموصى بها ( لا النادرة ) كهبة ولقطة إذ لا تقصد بالوصية ( وكذا مهرها ) أي الأمة إذا وطئت بشبهة أو نكاح يملكه الموصى له بمنافعها ( في الأصح ) ؛ لأنه من نماء الرقبة كالكسب ، وكما يملكه الموقوف عليه ، وما لا في الروضة وأصلها إلى أنه ملك لورثة الموصي ، وفرق الأذرعي بينه وبين الموقوف عليه بأن ملك الثاني أقوى لملكه النادر والولد بخلاف الأول .

[ ص: 63 ] ويملك الوارث الرقبة هنا لا ثم قال غيره ولأنه يملك الرقبة على قول فقوي الاستتباع بخلافه هنا ورد هذا بأن الموصى له بالمنفعة أبدا قيل فيه أنه يملك الرقبة أيضا ، ويرد الأولان بأن الموصى له يملك الإجارة والإعارة والسفر بها وتورث عنه المنفعة ولا كذلك الموقوف عليه فكان ملك الموصى له أقوى وعدم ملكه النادر إنما هو لعدم تبادر دخوله ، والولد إنما هو لما يأتي ولأنه جزء من الأم وهو لا يملكها لا أن ذلك لضعف ملكه ، ومن ثم كان المعتمد ملكه المهر وفاقا للإسنوي وغيره ، وأنه فيما إذا أبدت المنفعة لا يحد لو وطئ بخلاف الموقوف عليه لما تقرر من أن ملكه أضعف وأيضا فالحق في الموقوفة للبطن الثاني ، ولو مع وجود البطن الأول ولا حق هنا في المنفعة لغير الموصى له فاندفع ما قيل الوجه التسوية بينهما أو وجوب الحد في الوصية دون الوقف ، والأوجه في أرش البكارة أنه للورثة ؛ لأنه بدل إزالة جزء من البدن الذي هو ملك لهم ولو عينت المنفعة كخدمة قن أو كسبه أو غلة دار أو سكناها لم يستحق غيرها كما مر فليس له في الأخيرة عمل الحدادين والقصارين إلا إن دلت قرينة على أن الموصي أراد ذلك على الأوجه ( لا ولدها ) أي الموصى بمنفعتها أمة كانت ، والحال أنه من زوج أو زنا أو غيرها فلا يملكه الموصى له ويفرق بينه وبين ولد الموقوفة بأن ملك الموقوف عليه له لم يعارضه أقوى منه بخلافه هنا فإن إبقاء ملك الأصل للوارث المستتبع له معارض أقوى لملك الموصى له فقدم عليه ( في الأصح بل هو ) إن كانت حاملا به عند الوصية ؛ لأنه كالجزء منها أو حملت به بعد موت الموصي ؛ لأنه الآن من فوائد ما استحق منفعته بخلاف الحادث بعد الوصية .

وقبل الموت [ ص: 64 ] وإن وجد عنده لحدوثه فيما لم يستحقه إلى الآن ( كالأم ) في حكمها فتكون ( منفعته له ورقبته للوارث ) ؛ لأنه جزء منها ولو نص في الوصية على الولد دخل قطعا ولو قتل الموصى بمنفعته فوجب مال وجب شراء مثله به رعاية لغرض الموصي فإن لم يف بكامل فشقص والمشتري الوارث ، ويفرق بينه وبين الوقف فإن المشتري فيه الحاكم بأن الوارث هنا مالك للأصل فكذا بدله ، والموقوف عليه ليس مالكا له فلم يكن له نظر في البدل فتعين الحاكم ، ويباع في الجناية وحينئذ يبطل حق الموصى له بخلاف ما إذا فدي

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل في أحكام معنوية للموصى به مع بيان ما يفعل عن الميت وما ينفعه ) ( قوله تتناول الخدمة ) أي من العبد والسكنى أي في الدار ( قوله مما صرحا به ) منه الإجارة والإعارة والوصية بها والأكساب المعتادة كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد وأجرة الحرفة ؛ لأنها أبدال منافعه ( قوله الآتي في الغلة ) يحتمل أنه إشارة إلى اعتبار ما يحصل لا بنفسه احترازا عن نحو الثمرة كما يستفاد ذلك من قوله الآتي فالغلة قسمان إلخ ( قوله [ ص: 61 ] ولا ينافي ما ذكراه في المنفعة ) أي من أنها مقابلة العين ( قوله خلافا لمن توهمه شمولها للكسب ) أي مع أنه عين ومثله غلة تحصل بدل استيفاء منفعة أخذا مما سيأتي في قوله فالغلة قسمان إلخ ( قوله أن المنافع تشمل الغلة والكسب ) هذا موافق لقوله السابق شمولها للكسب لما سيأتي أنه بدلها مع ما فيه ، ويوافق ذلك قوله الآتي أعم مما يفهم منهما ؛ لأن حاصله أن المنفعة تشمل الكسب والغلة ( قوله لا تفيد نحو ركوب وسكنى ) موافق لقوله السابق قالا بل ينبغي إلخ ( قوله وفي بعضه ) يتأمل ( قوله ؛ لأن الربح إلخ ) انظر هذا التعليل مع أنه لم يذكر ما يفيد تصور المسألة بالإيصاء بالمنفعة أو الغلة [ ص: 62 ] قوله في غير مؤقتة بنحو حياته إلخ ) ظاهره أن المؤقتة بغير حياته إباحة وإن لم يعبر خلاف ظاهر شرح الروض بالفعل وهو صريح قول الشيخين ، واللفظ لأصل الروضة أما إذا قال أوصيت لك بمنافعه حياتك فهو إباحة وليس بتمليك فليس له الإجارة وفي الإعارة وجهان ، وإذا مات الموصى له رجع الحق إلى ورثة الموصي ، ولو قال أوصيت لك بأن تسكن هذه الدار أو بأن يخدمك هذا العبد فهو إباحة أيضا لا تمليك بخلاف قوله أوصيت لك بسكناها أو خدمته هكذا ذكره القفال وغيره انتهى لكن أول في شرح الروض قوله بمنافعه من قوله نعم قوله أوصيت لك بمنافعه حياتك إباحة بقوله أي بأن تنتفع به ( قوله ويستقل الموصى له بتزويج العبد ) قال شيخنا الشهاب الرملي المعتمد أن الموصى له لا يستقل بتزويج العبد بناء على أن الكسب النادر لمالك الرقبة ، وأن مؤن النكاح تتعلق بالكسب النادر ففي النكاح ضرر على الوارث فلا يفعل بغير إذنه وما في الوسيط مبني على أن مؤن [ ص: 63 ] النكاح لا تتعلق بالنادر أو أنه للموصى له بالمنفعة انتهى وقال ولد م ر في شرحه والمزوج له ذكرا كان أو أنثى الوارث بإذن الموصى له كما أفتى به شيخنا الشهاب الرملي ( قوله ولأنه جزء من الأم إلخ ) هذا موجود ثم أيضا ( قوله ومن ثم كان المعتمد إلخ شرح هذه المقالة ) اعتمده م ر ثم أيضا ( فرع )

الوجه أن الموصى له كالأجنبي في حرمة الخلوة والنظر ( قوله والحال أنه من زوج أو زنا ) فإن كان من شبهة فسيأتي أي في شرح وله [ ص: 64 ] إعتاقه . وقوله أو غيرها أي كدابة ( قوله ولو قتل الموصى بمنفعته فوجب مال وجب شراء مثله به إلخ ) والمشتري الوارث ، ويفرق بينه وبين الوقف فإن المشتري فيه الحاكم بأن الوارث هنا مالك للأصل فكذا بدله والموقوف عليه ليس مالكا له فلم يكن له نظر في البدل فتعين الحاكم شرح م ر وسكت عن الموصي فهل يشارك الوارث أو يستقل أو لا ولا وينبغي أن يستقل ويقدم على الوارث

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث