الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث

[ هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث ؟ ] الفائدة الثامنة والأربعون : إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم موثوق بما فيه ، فهل له أن يفتي بما يجده فيه ؟ فقالت طائفة من المتأخرين : ليس له ذلك ; لأنه قد يكون منسوخا ، أو له معارض ، أو يفهم من دلالته خلاف ما يدل عليه ، أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب ، أو يكون عاما له مخصص ، أو مطلقا له مقيد ، فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل الفقه والفتيا .

وقالت طائفة : بل له أن يعمل به ، ويفتي به ، بل يتعين عليه ، كما كان الصحابة يفعلون ، إذا بلغهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ، ولا يقول أحد منهم قط : هل عمل بهذا فلان وفلان ؟ ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه أشد الإنكار ، وكذلك التابعون ، وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم ، وطول العهد بالسنة وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها والعمل بغيرها ، ولو كانت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان قول فلان أو فلان عيارا على السنن ، ومزكيا لها ، وشرطا في العمل بها ، وهذا من أبطل الباطل ، وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ سنته ، ودعا لمن بلغها ; فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان ، والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة ، وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان .

قالوا : والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث ألبتة بل ولا شطرها ; فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقل بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ ، ويجوز عليه التناقض والاختلاف ، ويقول القول [ ص: 181 ] ويرجع عنه ، ويحكي عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال ، ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين ; فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه .

والصواب في هذه المسألة التفصيل ; فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ، ويفتي به ، ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام ، بل الحجة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن خالفه من خالفه ، وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز له أن يعمل ، ولا يفتي بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه ، وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده ، والأمر على الوجوب ، والنهي على التحريم ; فهل له العمل والفتوى به ؟ يخرج على الأصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المعارض ، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره : الجواز ، والمنع ، والفرق بين العام [ والخاص ] فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص ، والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث عن المعارض ، وهذا كله إذا كان ثم نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية ، وإذا لم تكن ثمة أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { ألا سألوا إذا لم يعلموا ، إنما شفاء العي السؤال } وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا وصعد فمن كلام إمامه ; فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالجواز ، وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرفه معناه ، كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث