الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الصيغة وما يتعلق بها في الخلع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) في الصيغة وما يتعلق بها ( الفرقة بلفظ الخلع ) إن قلنا : إنه صريح ، أو كناية ونواه به ( طلاق ) ينقص العدد ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى في قوله تعالى { الطلاق مرتان } الآية ذكر حكم الافتداء المرادف له الخلع بعد الطلقتين ثم ذكر ما يترتب على الطلقة الثالثة من غير ذكر وقوع ثالثة فدل على أن الثالثة هي الافتداء كذا قالوه ، ويرده الحديث الصحيح الآتي في ثالث فصل في الطلاق { أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الثالثة فقال : أو تسريح بإحسان } وحينئذ فيندفع جميع ما تقرر ( وفي قول ) نص عليه في القديم والجديد [ ص: 477 ] الفرقة بلفظ الخلع ، أو المفاداة إذا لم يقصد به طلاقا ( فسخ لا ينقص ) بالتخفيف في الأفصح ( عددا ) فيجوز تجديد النكاح بعد تكرره من غير حصر ، واختاره كثيرون من أصحابنا المتقدمين والمتأخرين بل تكرر من البلقيني الإفتاء به ، واستدلوا له بالآية نفسها ؛ إذ لو كان الافتداء طلاقا لما قال فإن طلقها ، وإلا كان الطلاق أربعا أما الفرقة بلفظ الطلاق بعوض فطلاق ينقص العدد قطعا كما لو قصد بلفظ الخلع الطلاق لكن نقل الإمام عن المحققين القطع بأنه لا يصير طلاقا بالنية كما لو قصد بالظهار الطلاق

( تنبيه )

إن قلت : لم كان الفسخ لا ينقص العدد والطلاق ينقصه ، وما الفرق بينهما من جهة المعنى قلت : يفرق بأن أصل مشروعية الفسخ إزالة الضرر لا غير ، وهي تحصل بمجرد قطع دوام العصمة فاقتصروا به على ذلك ؛ إذ لا دخل للعدد فيه ، وأما الطلاق فالشارع وضع له عددا مخصوصا لكونه يقع بالاختيار لموجب وعدمه ففوض لإرادة الموقع من استيفاء عدده وعدمه ( فعلى الأول ) الأصح ( لفظ الفسخ كناية ) في الطلاق أي الفرقة بعوض المعبر عنها بلفظ الخلع فيحتاج لنية ؛ لأنه لم يرد في القرآن ( والمفاداة ) أي وما اشتق منها ( كخلع ) على القولين السابقين ، وكذا الآتيان فيه ( في الأصح ) لورودها في الآية السابقة ( ولفظ الخلع ) وما اشتق منه ( صريح ) في الطلاق ؛ لأنه تكرر على لسان [ ص: 478 ] حملة الشرع لإرادة الفراق فكان كالمتكرر في القرآن ( وفي قول كناية ) يحتاج للنية ؛ لأن صرائح الطلاق ثلاثة ألفاظ تأتي لا غير ، وأطال كثيرون في الانتصار له نقلا ودليلا .

( فعلى الأول ) الأصح ( لو جرى ) وما اشتق من لفظ الخلع ، أو المفاداة معها ( بغير ذكر مال وجب مهر مثل في الأصح ) لاطراد العرف بجريانه بمال فرجع عند الإطلاق لمهر المثل ؛ لأنه المراد كالخلع بمجهول ، ، وقضيته وقوع الطلاق جزما ، وإنما الخلاف هل يجب عوض ، أو لا ؟ وانتصر له جمع محققون ، وقالوا : إنه طريقة الأكثرين ، والذي في الروضة أنه عند عدم ذكر المال كناية ، وجمع جمع بحمل المتن أي من حيث الحكم لا الخلاف كما هو ظاهر للمتأمل على ما إذا نوى به التماس قبولها فقبلت فيكون حينئذ صريحا لما يأتي أن نية العوض مؤثرة هنا فكذا نية التماس قبول ما دل عليه ، وهو لفظ الخلع ونحوه مع قبولها والروضة على ما إذا نفى العوض ونوى الطلاق فيقع رجعيا ، وإن قبلت ونوى التماس قبولها ، وكذا لو أطلق لفظ خالعتك بنية الطلاق دون التماس قبولها ، وإن قبلت فعلم أن محل صراحته بغير ذكر مال إذا قبلت ونوى التماس قبولها ، وأن مجرد لفظ الخلع لا يوجب عوضا جزما ، وإن نوى به طلاقا ، وخرج ب معها ما لو جرى مع أجنبي فإنها تطلق مجانا [ ص: 479 ] كما لو جرى معه بنحو خمر .

فإن قلت : ظاهر هذا أنه لا يحتاج هنا إلى نية الطلاق به ، وحينئذ فيشكل بما مر أنه كناية ؛ إذ لا فرق في ذلك بينها وبين الأجنبي قلت يمكن الفرق ؛ لأنه معها محل الطمع في المال فعدم ذكره قرينة تقرب إلغاءه من أصله ما لم يصرفه عن ذلك بالنية ، وأما معه فلا طمع فلم تقم قرينة على صرفه عن أصله من إفادته الطلاق ، ويؤيد ذلك جعلهم له بنحو خمر مقتضيا لمهر المثل معها لا معه ، وظاهر أن وكيلها مثلها

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل ) في الصيغة ، وما يتعلق بها [ ص: 477 ] قوله : إذا لم يقصد به طلاقا ) إن كان هذا التقييد بناء على كونه كناية المذكور بقوله السابق ، أو كناية ونواه ففي المقابلة بين القولين باعتبار هذا الشق نظر ؛ لأن كلا منهما على تقدير غير تقدير الأول ، وإن كان بناء على أنه صريح أيضا ففي التقييد بعدم القصد مع صراحته نظر فليتأمل ( قوله : إذا لم يقصد إلخ ) أي بناء على ما يأتي عن الإمام ( قوله : إذ لو كان الافتداء طلاقا إلخ ) قال البيضاوي والأظهر أنه طلاق ؛ لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض وقوله { فإن طلقها } متعلق بقوله { الطلاق مرتان } تفسير لقوله { ، أو تسريح بإحسان } اعترض بينهما ذكر الخلع دلالة على أن الطلاق يقع مجانا تارة وبعوض أخرى ا هـ .

( قوله : إذ لا دخل إلخ ) يتأمل ( قوله : في المتن فعلى الأول ) ما وجه هذا التفريع وقد يجاب بأن الفاء لمجرد العطف ( قوله : فعلى الأول ) سكت عن حكمه على الثاني ويحتمل أنه أيضا كناية ، وإنما خص الأول ؛ لأنه محل التوهم ، أو ؛ لأنه الصحيح فاقتصر على الاهتمام به ( قوله : فيحتاج لنية ) ظاهره أن الفسخ كناية ولو مع المال ( قوله : في المتن والشرح ولفظ الخلع ، وما اشتق منه ) هذا ، وما ذكره من المفاداة يقتضي أن نحو أنت [ ص: 478 ] خلع ، أو مفاداة صريح ، وفيه نظر فسيأتي أن أنت طلاق ، أو الطلاق كناية إلا أن يحمل ما اقتضاه هذا الكلام على نحو الخلع لازم لي كما في الطلاق لازم لي فليتأمل ووافق في الروض المنهاج حيث قال ولفظ الخلع ، وكذا المفاداة صريح في الطلاق إن ذكر المال ، وكذا إن لم يذكره ويلزمها به أي بالخلع بلا مال من القبول منها بعد إضمار التماس جوابها مهر المثل قال في شرحه لاطراد العرف بجريان الخلع بعوض فيرجع عند الإطلاق إلى مهر المثل ثم قال ومحله إذا كان الخلع مع الزوجة فإن كان مع أجنبي فلا يجب مهر بل تطلق مجانا ، وكذا لو خالع معه بخمر ، أو مغصوب ، أو حر ، أو ميتة كما سيأتي ا هـ .

( قوله : والذي في الروضة أنه عند عدم ذكر المال ) ينبغي وعدم نيته ( قوله وجمع جمع بحمل المتن إلخ ) كذا شرح م ر و وافق في الروض المنهاج حيث قال إلخ ( قوله : وإن مجرد لفظ الخلع لا يوجب عوضا جزما ، وإن نوى به طلاقا ) وفيه نظر لا يخفى هذا والأوجه أنه إن صرح بالعوض ، أو نواه وقبلت بانت ، أو عرى عن ذلك ونوى الطلاق وأضمر التماس جوابها وقبلت وقع بائنا فإن لم يضمر التماس جوابها ونوى وقع رجعيا ، وإلا فلا شرح م ر وقوله بانت أي بالعوض المصرح به والمنوي إن توافقا فيه كما هو ظاهر وقوله والأوجه أنه إلخ ينبغي جريان هذا التفصيل في الأجنبي وبحثت به مع م ر فوافق وقوله وقبلت أي فإن لم تقبل لم يقع وقوله وقع بائنا أي إن كانت رشيدة ، وإلا فرجعيا ويقع بمهر المثل وإن لم يذكر مالا ولا نواه فعلم أنه عند ذكر المال ، أو نيته صريح وعند عدم ذلك كناية ، وإن أضمر التماس جوابها [ ص: 479 ] وقبلت م ر ( قوله : كما لو جرى معه بنحو خمر ) أي مع التصريح بوصف الخمرية ( قوله : ظاهر هذا أنه لا يحتاج إلخ ) حاصل الفرق الذي ذكره أنه لا يحتاج إلى ذلك ، وفيه نظر والوجه الاحتياج ( قوله : بما مر أنه كناية ) لعله على ما في الروضة

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث