الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم إجارة الأرض إذا كانت مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع

فصل .

ومما تمس الحاجة إليه من فروع هذه القاعدة ، ومن مسائل بيع الثمر قبل بدو صلاحه ، ما قد عمت به البلوى في كثير من بلاد الإسلام أو أكثرها ، لا سيما دمشق . وذلك أن الأرض تكون مشتملة على غراس ، وأرض تصلح للزرع ، وربما اشتملت مع ذلك على مساكن ، فيريد صاحبها أن يؤاجرها لمن يسقيها ويزدرعها ، أو يسكنها مع ذلك . فهذا - إذا كان فيها أرض وغراس - مما اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال :

أحدها : أن ذلك لا يجوز بحال ، وهو قول الكوفيين والشافعي ، وهو المشهور من مذهب أحمد عند أكثر أصحابه .

والقول الثاني : يجوز إذا كان الشجر قليلا وكان البياض الثلثين أو أكثر ، وكذلك إذا استكرى دارا فيها نخلات قليلة ، أو شجرات عنب ونحو ذلك ، وهذا قول مالك ، وعن أحمد كالقولين . قال الكرماني : قيل لأحمد : الرجل يستأجر الأرض فيها نخلات ؟ قال : أخاف أن يكون استأجر شجرا لم يثمر ، وكأنه لم يعجبه ، أظنه : أراد الشجر ، لم أفهم عن أحمد أكثر من هذا .

وقد تقدم عنه فيما إذا باع ربويا بجنسه معه من غير جنسه إذا كان المقصود الأكبر هو غير الجنس ، كشاة ذات صوف أو لبن [ ص: 198 ] بصوف أو لبن روايتان . وأكثر أصوله على الجواز ، كقول مالك ، فإنه يقول : إذا ابتاع عبدا وله مال ، وكان مقصوده العبد : جاز ، وإن كان المال مجهولا ، أو من جنس الثمن ، ولأنه يقول : إذا ابتاع أرضا أو شجرا فيها ثمر ، أو زرع لم يدرك ، يجوز إذا كان مقصوده الأرض والشجر .

وهذا في البيع نظير مسألتنا في الإجارة ، فإن ابتياع الأرض بمنزلة اشترائها ، واشتراء النخل ودخول الثمرة التي لم تأمن العاهة في البيع تبعا للأصل بمنزلة دخول ثمر النخلات والعنب في الإجارة تبعا .

وحجة الفريقين في المنع : ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نهيه عن بيع السنين ، وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه ، كما أخرجا في الصحيحين عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، نهى البائع والمبتاع " ، وفيهما عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تباع الثمرة حتى تشقح " ، قيل : وما تشقح ؟ قال : " تحمار أو تصفار ، ويؤكل منها " وفي رواية لمسلم : أن هذا التفسير من كلام سعيد بن المثنى المحدث عن جابر .

وفي الصحيحين عن جابر قال : " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة " ، وفي رواية لهما " وعن بيع السنين " بدل " المعاومة " ، وفيهما أيضا عن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء [ ص: 199 ] عن جابر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة ، وأن يشتري النخل حتى يشقه ، والإشقاه : أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء ، والمحاقلة : أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم ، والمزابنة : أن يباع النخل بأوساق من التمر . والمخابرة : الثلث والربع ، وأشباه ذلك " . قال زيد : قلت لعطاء : أسمعت جابرا يذكر هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : نعم ، وفيهما عن أبي البختري قال : سألت ابن عباس عن بيع النخل ، فقال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع النخل حتى يأكل منه ، أو يؤكل ، وحتى يوزن . فقلت : ما يوزن ؟ فقال رجل عنده : حتى [يحرز ] " ، وفي مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " [ لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها ] ، لا تبتاعوا الثمر بالتمر " .

وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن بيع ثمر النخل سنين لا يجوز ، قالوا : فإذا أكراه الأرض والشجر ، فقد باعه الثمر قبل أن يخلق ، وباعه سنة أو سنتين ، وهذا هو الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم منع منه مطلقا طردا لعموم القياس ، ومن جوزه إذا كان قليلا قال : الضرر اليسير يحتمل في العقود ، كما لو ابتاع النخل وعليه ثمر لم يؤبر ، أو أبر ولم يبد صلاحه ، فإنه يجوز ، وإن لم يجز إفراده بالعقد .

وهذا متوجه جدا على أصل الشافعي وأحمد وغيرهما من فقهاء [ ص: 200 ] الحديث ، ولكن لا يتوجه على أصل أبي حنيفة ; لأنه لا يجوز ابتياع الثمر بشرط البقاء ، ويجوز ابتياعه قبل بدو صلاحه ، وموجب العقد : القطع في الحال ، فإذا ابتاعه مع الأصل فإنما استحق إبقاءه ; لأن الأصل ملكه ، وسنتكلم إن شاء الله على هذا الأصل .

وذكر أبو عبيد : أن المنع من إجارة الأرض التي فيها شجر كثير : إجماع .

والقول الثالث : أنه يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر ، ودخول الشجر في الإجارة مطلقا ، وهذا قول ابن عقيل ، وإليه مال حرب الكرماني ، وهذا القول كالإجماع من السلف ، وإن كان المشهور عن الأئمة المتبوعين خلافه ، فقد روى سعيد بن منصور - ورواه عنه حرب الكرماني في مسائله - قال : حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه : " أن أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم [دين] ، فدعا عمر غرماءه ، فقبلهم أرضه سنين ، وفيها النخل والشجر " .

وأيضا : فإن عمر بن الخطاب ضرب الخراج على أرض السواد وغيرها ، فأقر الأرض التي فيها النخل والعنب في أيدي أهل الأرض ، وجعل على كل جريب من جرب الأرض السواد والبيضاء خراجا مقدرا ، والمشهور : أنه جعل على جريب العنب : عشرة دراهم ، وعلى جريب النخل : ثمانية دراهم ، وعلى جريب الرطبة : ستة دراهم ، وعلى جريب الزرع : درهما وقفيزا من طعام .

والمشهور عند مالك والشافعي وأحمد : أن هذه المخارجة [ ص: 201 ] تجري مجرى المؤاجرة ، وإنما لم يؤقته لعموم المصلحة ، وأن الخراج أجرة الأرض ، فهذا بعينه إجارة الأرض السوداء التي فيها شجر ، وهو مما أجمع عليه عمر والمسلمون في زمانه وبعده ، ولهذا تعجب أبو عبيد في كتاب الأموال من هذا فرأى أن هذه [المعاملة] تخالف ما علمه من مذاهب الفقهاء .

وحجة ابن عقيل : أن إجارة الأرض جائزة ، والحاجة إليها داعية ، ولا يمكن إجارتها إذا كان فيها شجر إلا بإجارة الشجر ، وما لا يتم الجائز إلا به فهو جائز ; لأن المستأجر لا يتبرع بسقي الشجر ، وقد لا يساقي عليها .

وهذا كما أن مالكا والشافعي كان القياس عندهما أنه لا تجوز المزارعة ، فإذا ساقى العامل على شجر فيها بياض جوزا المزارعة في ذلك البياض ، تبعا للمساقاة فيجوزه مالك إذا كان دون الثلث ، كما قال في بيع الشجر تبعا للأرض ، وكذلك الشافعي يجوزه إذا كان البياض قليلا لا يمكن سقي النخل إلا بسقيه ، وإن كان كثيرا والنخل قليلا ففيه لأصحابه وجهان .

هذا إذا جمع بينهما في عقد واحد ، وسوى بينهما في الجزء المشروط ، كالثلث والربع ، فأما إن فاضل بين الجزأين ففيه وجهان لأصحابه . . وكذلك إن فرق بينهما في عقدين وقدم المساقاة ففيه وجهان ، فأما إن قدم المزارعة لم تصح المزارعة وجها واحدا .

فقد جوز المزارعة التي لا تجوز عندهما تبعا للمساقاة ، فكذلك يجوز إجارة الشجر تبعا لإجارة الأرض .

[ ص: 202 ] وقول ابن عقيل هو قياس أحد وجهي أصحاب الشافعي بلا شك ، ولأن المانعين من هذا هم بين محتال على جوازه ، [ أو مرتكب] لما يظن أنه حرام [أو ضار] ومتضرر ، فإن الكوفيين احتالوا على الجواز : تارة بأن يؤجر الأرض فقط ويبيحه ثمر الشجر ، كما يقولون في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، يبيعه إياها مطلقا ، أو بشرط القطع بجميع الأجرة ، ويبيحه إبقاءها ، وهذه الحيلة منقولة عن أبي حنيفة والثوري وغيرهما ، وتارة بأن يكريه الأرض بجميع الأجرة ويساقيه على الشجر بالمحاباة ، مثل أن يساقيه على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك .

وهذه الحيلة إنما يجوزها من يجوز المساقاة ، كأبي يوسف ومحمد والشافعي في القديم ، فأما أبو حنيفة فلا يجوزها بحال ، وكذلك الشافعي إنما يجوزها في الجديد في النخل والعنب ، فقد اضطروا في هذه المعاملة إلى أن تسمى الأجرة في مقابلة منفعة الأرض ، ويتبرع له إما بإعراء الشجر ، وإما بالمحاباة في مساقاتها .

ولفرط الحاجة إلى هذه المعاملة ذكر بعض من صنف في إبطال الحيل من أصحاب الإمام أحمد هذه الحيلة فيما يجوز من الحيل - أعني حيلة المحاباة في المساقاة - والمنصوص عن أحمد وأكثر أصحابه : إبطال هذه الحيلة بعينها ، كمذهب مالك وغيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث