الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يكره عليه اللصوص غير المتأولين

( قال رحمه الله ) ولو أن لصوصا من المسلمين غير المتأولين ، أو من أهل الذمة تجمعوا ، فغلبوا على مصر من أمصار المسلمين ، وأمروا عليهم أميرا ، فأخذوا رجلا ، فقالوا لنقتلنك [ ص: 48 ] أو لتشربن هذا الخمر ، أو لتأكلن هذه الميتة ، أو لحم هذا الخنزير ، ففعل شيئا من ذلك كان عندنا في سعة ; لأن حرمة هذه الأشياء ثابتة بالشرع ، وهي مفسدة بحالة الاختيار ، فإن الله تعالى استثنى حالة الضرورة من التحريم بقوله عز وجل { إلا ما اضطررتم إليه } ، والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى ، فظهر أن التحريم مخصوص بحالة الاختيار ، وقد تحققت الضرورة هنا لخوف التلف على نفسه بسبب الإكراه ، فالتحقت هذه الأعيان في حالة الضرورة بسائر الأطعمة والأشربة ، فكان في سعة من التناول منها ، وإن لم يفعل ذلك حتى يقتل كان آثما ، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يكون آثما ، وكذلك هذا فيمن أصابته مخمصة ، فلم يتناول من الميتة حتى مات ، فعلى ظاهر الرواية يكون آثما ، وعلى رواية أبي يوسف لا يكون آثما ، فالأصل عند أبي يوسف أن الإثم ينتفي عن المضطر ، ولا تنكشف الحرمة بالضرورة قال الله تعالى { : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } ، وقال تعالى { : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } .

وهذا لأن الحرمة بصفة أنها ميتة ، أو خمر ، وبالضرورة لا ينعدم ذلك ، فإذا امتنع كان امتناعه من الحرام ، فلا يكون آثما فيه وجه ظاهر الرواية أن الحرمة لا تتناول حالة الضرورة ; لأنها مستثناة بقوله تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } ، فأما أن يقال : يصير الكلام عبارة عما وراء المستثنى ، وقد كان مباحا قبل التحريم فبقي على ما كان في حالة الضرورة ، أو يقال : الاستثناء من التحريم إباحة ، وإذا ثبتت الإباحة في حالة الضرورة ، فامتناعه من التناول حتى تلف كامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى تلفت نفسه ، فيكون آثما في ذلك ، وصفة الخمرية توجب الحرمة لمعنى الرفق بالمتناول ، وهو أن يمنعه من استعمال عقله ، ويصده عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وكذلك لحم الخنزير لما في طبع الخنزير من الانتهاب ، وللغذاء أثر في الخلق ، والرفق هنا في الإباحة عند الضرورة ; لأن إتلاف البعض أهون من إتلاف الكل ، وفي الامتناع من التناول هلاك الكل ، فتثبت الإباحة في هذه الحالة لهذا المعنى ، وكذلك لو أوعد بقطع عضو ، أو بضرب مائة سوط ، أو أقل منها مما يخاف على نفسه ، أو عضو من أعضائه ; لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس .

( ألا ترى ) أن المضطر كما لا يباح له قتل الإنسان ليأكل من لحمه لا يباح له قطع عضو من أعضائه ، والضرب الذي يخاف منه التلف بمنزلة القتل على ما بينا أن فتنة السوط أشد من فتنة السيف ، والأعضاء في هذا سواء حتى لو أوعده بقطع أصبع ، أو أنملة يتحقق به الإلجاء ، فكل ذلك محرم باحترام النفس تبعا لها ، ولو أوعده بضرب سوط ، أو سوطين لم يسعه [ ص: 49 ] تناول ذلك ; لأنه لا يخاف على نفسه ، ولا على عضو من أعضائه بما هدده به إنما يغمه ذلك ، أو يؤلمه ألما يسيرا ، والإلجاء لا يتحقق به .

( ألا ترى ) أن بالإكراه بالحبس ، والقيد لا يتحقق الإلجاء حتى لا يباح له تناول هذه الأشياء ، والغم الذي يصيبه بالحبس ربما يزيد على ما يصيبه بضرب سوط ، أو سوطين .

( ألا ترى ) أن الجهال يتهازلون فيما بينهم بهذا المقدار ، وكذلك كل ضرب لا يخاف منه تلف نفس ، أو ذهاب عضو في أكثر الرأي ، وما يقع في القلب ; لأن غالب الرأي يقام مقام الحقيقة فيما لا طريق إلى معرفته حقيقة ، قال : وقد وقت بعضهم في ذلك أدنى الحدود أربعين سوطا ، فإن هدد بأقل منها لم يسعه الإقدام على ذلك ; لأن ما دون الأربعين مشروع بطريق التعزير ، والتعزير يقام على وجه يكون زاجرا لا متلفا ، ولكنا نقول : نصب المقدار بالرأي لا يكون ، ولا نص في التقدير هنا ، وأحوال الناس تختلف باختلاف تحمل أبدانهم للضرب ، وخلافه ، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه ، فإن وقع في غالب رأيه أنه لا تتلف به نفسه ، ولا عضو من أعضائه لا يصير ملجأ ، وإن خاف على نفسه التلف منه يصير ملجأ .

وإن كان التهديد بعشرة أسواط ، وهكذا نقول في التعزير للإمام أن يبلغ بالتعزير تسعة وثلاثين سوطا إذا كان في أكثر رأيه أنه لا يتلف به نفسه ، ولا عضوا من أعضائه ، وكذلك إن تغلب هؤلاء اللصوص على بلد ، ولكنهم أخذوا رجلا في طريق ، أو مصر لا يقدر فيها على غوث ; لأن المعتبر خوفه التلف على نفسه ، وذلك بتمكنهم من إيقاع ما هددوه به قبل أن يحضر الغوث ، ولو توعدوه على شيء من ذلك بحبس سنة ، أو بقيد ذلك من غير أن يمنعوه طعاما ، ولا شرابا لم يسعه الإقدام على شيء من ذلك ; لأن الحبس ، والقيد يوجب الهم ، والحزن ، ولا يخاف منه على نفس ، ولا عضو ، ولدفع الحزن لا يسعه تناول الحرام ( ألا ترى ) أن شارب الخمر في العادة إنما يقصد بشربها دفع الهم ، والحزن عن نفسه ، ولو تحقق الإلجاء بالحبس لتحقق بحبس يوم ، أو نحوه ، وذلك بعيد ، وإن قالوا لنجيعنك أو لتفعلن بعض ما ذكرنا لم ينبغ له أن يفعل ذلك حتى يجيء من الجوع ما يخاف منه التلف ; لأن الجوع شيء يهيج من طبعه ، وبادي الجوع لا يخاف منه التلف إنما يخاف التلف عند نهاية الجوع بأن تخلو المعدة عن مواد الطعام فتحترق ، وشيء منه لا يوجد عند أدنى الجوع .

( ألا ترى ) أن الإكراه في هذا معتبر بالضرورة ، والمضطر الذي يخاف على نفسه من العطش ، والجوع يباح له تناول الميتة ، وشرب الخمر ، ولا يباح له ذلك عند أدنى الجوع ما لم يخف التلف على نفسه ، وهذا بخلاف ما تقدم إذا هددوه بضرب سوط [ ص: 50 ] فإن هناك يباح له التناول ، ولا يلزمه أن يصبر إلى أن يبلغ الضرب حدا يخاف منه التلف على نفسه ; لأن الضرب فعل الغير به ، فينظر إلى ما هدده به ، فإذا كان يخاف منه التلف يباح الإقدام عليه باعتبار أن تمكنه من إيقاع ما هدده به يجعل كحقيقة الإيقاع ، والرجوع هنا يهيج من طبعه ، وليس هو فعل الغير به ، فإنما يعتبر القدر الموجود منه .

وقد قيل : إنما يعتبر إذا كان يعلم أن الجوع صار بحيث يخاف منه التلف ، وأراد أن يتناول مكنوه من ذلك ، فأما إذا كان يعلم أنه لو صبر إلى تلك الحالة ، ثم أراد أن يتناول لم يمكنوه من ذلك ، فليس له أن يتناول إلا إذا كان بحيث يلحقه الغوث إلى أن ينتهي حاله إلى ذلك ، فحينئذ لا يسعه الإقدام عليه بأدنى الجوع قال : وكل شيء جاز له فيه تناول هذه المحرمات من الإكراه ، فكذلك يجوز عندنا الكفر بالله إذا أكره عليه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وهذا يجوز في العبادة ، فإن حرمة الكفر حرمة ثابتة مضمنة لا تنكشف بحال ، ولكن مراده أنه يجوز له إجراء كلمة الشرك على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان ; لأن الإلجاء قد تحقق ، والرخصة في إجراء كلمة الشرك ثابتة في حق الملجأ بشرط طمأنينة القلب بالإيمان إلا أن هنا إن امتنع كان مثابا على ذلك ; لأن الحرمة باقية ، فهو في الامتناع متمسك بالعزيمة ، والمتمسك بالعزيمة أفضل من المترخص بالرخصة قال : وقد بلغنا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما من كلام أتكلم به يدرأ عني ضربتين بسوط غير ذي سلطان إلا كنت متكلما به ، وإنما نضع هذا على الرخصة فيما فيه الألم الشديد ، وإن كان من سوطين ، فأما أن يقول السوطان اللذان لا يخاف منهما تلف يوجبان الرخصة له في إجراء كلمة الشرك ، فهذا مما لا يجوز أن يظن بعبد الله رضي الله عنه أما تصرف هذا اللفظ منه على سبيل المثل ، فلبيان الرخصة عند خوف التلف ، وقيل السوطان في حقه كان يخاف منهما التلف لضعف نفسه ، فقد كان بهذه الصفة على ما روي أنه { صعد شجرة يوما ، فضحكت الصحابة رضي الله عنهم من دقة ساقيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تضحكوا ، فهما ثقيلان في الميزان } .

ولو أن هؤلاء اللصوص قالوا شيئا من ذلك للرجل ، والرجل لا يرى أنهم يقدمون عليه لم يسعه الإقدام على المحرم ; لأن المعتبر خوف التلف ، ولا يصير خائفا التلف إذا كان يعلم أنهم لا يقدمون عليه ، وإن هددوه به ، وقد بينا أن ما لا طريق إلى معرفته حقيقة يعتبر فيه غالب الرأي ، فإن كان لا يخاف أن يقدموا عليه في أول مرة حتى يعاودوه لم ينبغ له أن يقدم على ذلك حتى يعاودوه ، وهذا على ما يقع في القلب .

( ألا ترى ) أنك لو رأيت رجلا ينقب عليك دارك من [ ص: 51 ] خارج ، أو دخل عليك ليلا من الثقب بالسيف ، وخفت إن أنذرته يضربك ، وكان على أكثر رأيك ذلك وسعك أن تقتله قبل أن تعلمه إذا خفت أن يسبقك إن أعلمته ، وفي هذا إتلاف نفس ، ثم أجاز الاعتماد على غالب الرأي لتعذر الوقوع على حقيقته ، فكذلك فيما سبق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث