الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب المعاقل

قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن سهل السرخسي رحمه الله إملاء يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وأربعمائة : الأصل في إيجاب الدية على العاقلة في الخطأ وشبه العمد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي في حديث حمل بن مالك { أن النبي عليه السلام قال لأولياء الضاربة : قوموا فدوه . قال أخوها [ ص: 125 ] عمرو بن عويمر الأسلمي : أندي من لا عقل ولا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه يطل فقال عليه السلام أسجع كسجع الكهان ؟ أو قال : دعني وأراجيز العرب قوموا فدوه فقال : إن لها بيتا هم سراة الحي وهم أحق بها مني فقال : بل أنت أحق بها قم فده } وشيء من المعقول يدل عليه ، وهو أن الخاطئ معذور وعذره لا يعدم حرمة نفس المقتول ولكن يمنع وجوب العقوبة عليه فأوجب الشرع الدية صيانة لنفس المقتول عن الهدر ، وفي إيجاب الكل على القاتل إجحاف به واستئصال فيكون بمنزلة العقوبة ، وقد سقطت العقوبة عنه للعذر فضم الشرع إليه العاقلة لدفع معنى العقوبة عنه ، وكذلك في شبه العمد باعتبار أن الآلة آلة التأديب ولم يكن فعله محظورا محضا ولهذا لا يجب عليه القصاص ، فلا يكون جميع الدية عليه في ماله لدفع معنى العقوبة عنه ، ولكن الشرع أوجب الدية هاهنا مغلظة ليظهر تأثير معنى العمد وأوجبها على العاقلة لدفع منع العقوبة عن القاتل .

ثم هذا الفصل لا يحصل إلا بضرب استهانة وقلة مبالاة وتقصير في التحرز وإنما يكون ذلك بقوة يجدها المرء في نفسه وذلك بكثرة أعوانه وأنصاره وإنما ينصره عاقلته فضموا إليه في إيجاب الدية عليهم ، وإن لم يجب لهذا المعنى ، وكل أحد لا يأمن على نفسه أن يبتلى بمثله وعند ذلك يحتاج إلى إعانة غيره فينبغي أن يعين من ابتلي ليعينه غيره إذا ابتلي بمثله كما هو العادة بين الناس في التعاون والتواد فهذا هو صورة أمة متناصرة وجبلة قوم قوامين بالقسط شهداء لله متعاونين على البر والتقوى وبه أمر الله - تعالى - الأمة هذه ، ثم كانت للعرب في الجاهلية أسباب للتناصر منها القرابة ، ومنها الولاء ، ومنها الحلف ، ومنها مماحلة العدو ، وقد بقي ذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونوا حلفاء له كما كانوا حلفاء لجده عبد المطلب .

ودخل بنو بكر في عهد قريش ليكونوا حلفاء لهم الحديث فكانوا يضلون عن حليفهم وعديدهم ويعقل عنهم حليفهم وعديدهم ومولاهم باعتبار التناصر كما يعقلون عن أنفسهم باعتبار التناصر .

فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه ودون الدواوين صار التناصر بينهم بالديوان فكان أهل ديوان واحد ينصر بعضهم بعضا وإن كانوا من قبائل شتى فجعل عمر العاقلة أهل الديوان . بيانه في الحديث الذي بدأ به الكتاب فقال : بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض العقل على أهل الديوان ; لأنه أول من وسع الديوان فجعل العقل فيه ، وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم وبهذا أخذ علماؤنا - رحمهم الله - فقالوا : العقل على أهل الديوان من العاقلة .

وأبى الشافعي ذلك فقال : هو على العشيرة فقد كان عليهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 126 ] ولا نسخ بعد رسول الله . ولكنا نقول : قد قضى به عمر رضي الله عنه على أهل الديوان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه منكر فكان ذلك إجماعا منهم ، فإن قيل : كيف يظن بهم الإجماع على خلاف ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : هذا اجتماع على وفاق ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به على العشيرة باعتبار النصرة وكان قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته ، ثم لما دون عمر رضي الله عنه الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان ، فقد كان المرء يقاتل قبيلته عن ديوانه على ما روي عن علي رضي الله عنه أن يوم الجمل وصفين جعل بإزاء كل قبيلة من كان من أهل تلك القبيلة ليكونوا هم الذين يقاتلون قومهم فلهذا قضوا بالدية على أهل الديوان .

ثم الشافعي يقول : إلزام الدية العاقلة بطريق الصلة والصلة المالية مستحقة بوصلة القرابة دون الديوان كالنفقة والميراث . ونحن نقول : الوجوب عليهم بطريق الصلة كما قال وإيجابه فيما هو صلة أولى وأهل ديوان واحد فيما يخرج من الصلة لهم بعين العطاء كنفس واحدة ، وإيجاب هذه الصلة فيما يصل إليهم بطريق الصلة أولى في إيجابه من أصول أموالهم ، ثم لا شك أن المعتبر النصرة ففي حق كل قاتل يعتبر ما به تتحقق النصرة ، وتناصر أهل الديوان يكون بالديوان ، فإن كان القاتل من قوم يتناصرون بالحلف فذلك هو المعتبر ; لأن المعنى متى عقل في الحكم الشرعي تعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفروع ، ثم القاتل أحد العواقل يلزمه من الدية مثل ما يلزم أحد العاقلة عندنا .

وعند الشافعي ليس على القاتل شيء من الدية ; لأن الخطأ مرفوع قال الله - تعالى - : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } وقال عليه السلام : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } ، وإنما يتحقق ذلك إذا لم يكن عليه شيء من الدية ، ثم هذا الجزء كسائر الأجزاء فبالمعنى الذي نوجب سائر الأجزاء على العاقلة من نصرة أو صلة نوجب هذا الجزء عليهم أيضا ولكنا نقول : الإيجاب على العاقلة لدفع الإجحاف والاستئصال عن القاتل والتخفيف عليه وذلك في الكل لا في الجزء ، ثم الوجوب عليهم باعتبار النصرة ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره وكما أنه معذور غير مؤاخذ شرعا فالعاقلة لا يؤاخذون بفعله أيضا قال الله - تعالى - : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ، ومن لم يجن فهو أبعد من المؤاخذة من الجاني المعذور ، فإذا أوجبنا على كل واحد من العاقلة جزءا من الدية فلأن نوجب عليه مثل ذلك أولى ، وهذا لأن محل أداء الواجب العطاء الذي يخرج لهم بطريق الصلة ، وهو في ذلك كنفس واحدة فكما يخرج العطاء لغير القاتل يخرج للقاتل .

وذكر عن المعرور بن سويد قال [ ص: 127 ] : فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدية تؤخذ في ثلاث سنين فالنصف في سنتين وما دون الثلث في سنة وبه نأخذ فنقول جميع الدية متى وجبت بنفس القتل كانت مؤجلة في ثلاث سنين سواء كانت على العاقلة أو في مال القاتل كالأب يقتل ابنه عمدا ، وقد بينا هذا في الديات ، وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منه في سنة . ومتى كان الواجب بالقتل ثلث بدل النفس أو أقل من ذلك كان في سنة واحدة ، وما زاد على الثلث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية ، وما زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة ، وهذا لأن تقوم النفس بالمال غير معقول ، وإنما عرف ذلك شرعا والشرع إنما ورد بإيجاب الدية مؤجلة في ثلاث سنين فعلينا اتباع ذلك واتباع الأجزاء بالجملة في مقدار ما يثبت فيها من الأجل .

والشافعي يجعل التأجيل لمعنى التخفيف كالإيجاب على العاقلة معنى التخفيف معقول فأما في التأجيل فمعنى نقصان المالية ; لأن المؤجل في المالية أنقص من الحال وبسبب صفة العمدية يخرج من أن يكون مستحقا للتخفيف ولكن ليس لهذه الصفة تأثير في إيجاب زيادة على قيمة المتلف ولو أوجبنا الدية عليه حالا كان ذلك زيادة ، فإن قيل : أليس في شبه العمد أن الدية تجب مغلظة وفيه إيجاب زيادة المالية باعتبار صفة العمد ؟ قلنا : نعم ولكنا إنما ننكر إيجاب الزيادة بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه وتلك الزيادة إنما أوجبناها بالنص كأصل المال بمقابلة النفس أوجبناه بالنص بخلاف القياس وعن إبراهيم قال في دية الخطأ وشبه العمد : في النفس على العاقلة على أهل الديوان في ثلاثة أعوام في كل عام الثلث ، وما كان من جراحات الخطأ فعلى العاقلة على أهل الديوان إذا بلغت الجراحة ثلثي الدية ففي عامين ، وإن كان النصف فكذلك ، وإن كان الثلث ففي سنة واحدة وذلك كله على أهل الديوان وبه نقول ، فإن الواجب من الأرش متى بلغ نصف عشر بدل النفس في حق الرجل أو في حق المرأة يكون ذلك على العاقلة ، وما دون ذلك بمنزلة ضمان المال يكون على الجاني . والشافعي يسوي بين القليل والكثير .

والقياس فيه أحد السببين . أما التسوية فكما ذهب إليه الشافعي في إيجاب الكل على العاقلة والتسوية في أن لا يوجب شيء على العاقلة كما في ضمان المال ولكنا تركنا القياس بالسنة ، وإنما جاءت السنة في أرش الجنين بالإيجاب على عاقلته وأرش الجنين نصف عشر بدل الرجل فيقضي بذلك على العاقلة وفيما دونه يؤخذ بالقياس . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة } . [ ص: 128 ] وأرش الموضحة نصف عشر بدل النفس ففيما دونه يؤخذ بالقياس ، وهذا لأن الإيجاب على العاقلة كان لمعنى دفع الإجحاف عن الجاني وذلك في الكثير دون القليل فلهذا أوجبنا الكثير على العاقلة دون القليل والفاضل بينهما يكون مقدرا وأدنى ذلك أرش الموضحة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث