الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ) وإن اختلفت مللهم . [ ص: 417 ] ( وقال مالك والشافعي رحمهما الله : لا تقبل لأنه فاسق ، قال الله تعالى { والكافرون هم الظالمون } ) فيجب التوقف في خبره ، ولهذا لا تقبل شهادته على المسلم فصار كالمرتد . ولنا ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض ، ولأنه من أهل الولاية على نفسه وأولاده الصغار فيكون من أهل الشهادة على جنسه ، [ ص: 418 ] والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع لأنه يجتنب ما يعتقده محرم دينه ، والكذب محظور الأديان ، بخلاف المرتد لأنه لا ولاية له ، وبخلاف شهادة الذمي على المسلم لأنه لا ولاية له بالإضافة إليه ، ولأنه يتقول عليه لأنه يغيظه قهره إياه ، وملل الكفر وإن اختلفت فلا قهر فلا يحملهم الغيظ على التقول .

التالي السابق


( قوله وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ) قيد بها لتخرج شهادتهم على المسلم ، ويدخل في اللفظ شهادة أهل ملة منهم على أهل ملة أخرى وقد نص عليه بقوله وإن اختلفت مللهم احترز به عن قول ابن أبي ليلى وأبي عبيد أنها لا تقبل مع اختلاف الملة كشهادة اليهودي على النصراني وعكسه [ ص: 417 ] وقال مالك والشافعي رحمهما الله : لا تقبل أصلا لأنه فاسق ، قال تعالى { والكافرون هم الظالمون } ) ووقع في كثير من نسخ الهداية : والكافرون هم الفاسقون .

وفي النهاية النسخة المصححة بتصحيح بخط شيخي قال تعالى للكافرين : هم الفاسقون إذ الذي في القرآن { والكافرون هم الظالمون } ( فيجب التوقف في خبره ، ولهذا لا تقبل شهادته على المسلم فصار كالمرتد ) بذلك الجامع ، ولقوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وقال { ممن ترضون من الشهداء } والكافر ليس ذا عدل ولا مرضيا ولا منا ، ولأنا لو قبلنا شهادتهم لأوجبنا القضاء على القاضي بشهادتهم ولا يلزم على المسلم شيء بقولهم .

قال المصنف ( ولنا ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض } ) قال الإمام : المخرج غريب وغير مطابق للمدعى ، وهو أن شهادة بعضهم على بعض جائزة وإن اختلفت مللهم ، ولو قال أهل الكتاب عوض النصارى وافق ، وهكذا أخرجه ابن ماجه عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله { أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض } ومجالد فيه مقال .

ثم قال شيخنا علاء الدين : ويوجد في بعض نسخ الهداية اليهود عوض النصارى ، وذكر ما رواه أبو داود بهذا الإسناد { جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ائتوني بأعلم رجلين منكم ، فأتوه بابني صوريا ، فنشدهما الله كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟ قالا : نجد فيها إذا [ ص: 418 ] شهد أربعة منكم أنهم إذا رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة رجما ، قال : فما يمنعكما أن ترجموهما ؟ قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاءوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما } قال : هكذا وجدته في نسخة علاء الدين يده ، وهو تصحيف ، وإنما هو فدعا بالشهود بخط كشفته من نحو عشرين نسخة ، وكذا رواه إسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي والبزار في مسانيدهم والدارقطني كلهم قالوا : فدعا بالشهود .

قال في التنقيح : قوله في الحديث " فدعا بالشهود فشهدوا " زيادة في الحديث تفرد بها مجالد ولا يحتج بما تفرده به انتهى كلامه . لكن الطحاوي أسنده إلى عامر الشعبي عن جابر ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال { ائتوني بأربعة منكم يشهدون } ثم قول القائل لا يقبل [ ص: 419 ] ما تفرد به مجالد يجري فيه ما ذكرنا أن الراوي المضعف إذا قامت دلالة على صحة ما رواه حكم به لارتفاع وهم الغلط ، ولا شك أن رجمه عليه الصلاة والسلام كان بناء على ما سأل من حكم التوراة فيهما . وأجيب به من أن حكمها الرجم بشهادة أربعة إذ هو يوافق ما أنزل إليه ، فلا بد من كونه بنى على شهادة أربعة في نفس الأمر منهم وإن لم يذكر في الرواية المشهورة ، لأن القصة كانت فيما بين يهود في محالهم وأماكنهم ، فهذه دلالة على أن مجالدا لم يغلط في هذه الزيادة . وأنت علمت في مسألة أهل الأهواء أن مراد الآية فسق الأفعال لأنه الذي يتهم صاحبه بالكذب لا الاعتقاد ، إلا أن شهادتهم على المسلمين نسخت قوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } فبقيت على بعضهم بعضا . ثم استدل بالمعنى وهو أن الذمي من أهل الولاية على جنسه بدليل ولايته على أولاده الصغار ومماليكه فجازت شهادته على جنسه ، بخلاف المرتد المقيس عليه إذ لا ولاية له أصلا فلا شهادة له ، ولأنه يتقول على المسلم لغيظه بقهره فكان متهما فيه ، بخلاف أهل ملة على أهل ملة أخرى ، ولأنه وإن عاداه ليس أحدهم تحت قهر الآخر فلا حامل على التقول عليه ، ولا يخفى ما فيه إذ مجرد العداوة مانع من القبول كما في مسلم يعادي مسلما ثم يشيد هذا المعنى حديث مضعف بعمر بن راشد ، رواه الدارقطني وابن عدي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها تجوز على ملة غيرهم } وأيضا فقول الراوي أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض يحتمل أن يكون حكاية واقعة حال شهد فيها بعض اليهود على بعض أو بعض النصارى على بعض فلا عموم لها ، ويحتمل أنه حكاية تشريع قولي فيعم شهادة الملتين ملة على ملة فلا نحكم بأحدهما عينا ، غير أن في هذه خلافا في الأصول ، ورجح الثاني وهو مسألة قول الراوي { قضى بالشفعة للجار } .




الخدمات العلمية