الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إشكالات والجواب عنها في طريق الدعوة إلى الله تعالى

السؤال

بدأت حياتي الجامعية المختلطة في هذه السنة، ولكن جميع الطالبات محجبات ومسلمات والحمد لله، ولكن هناك مدرسون ومدرسات أجانب من جميع الجنسيات، من طبيعتي إن وضعت في بيئة مثل هذا أن أقع في حب أحد المدرسات ممن تكون لطيفة معي! ولكن ليس ذلك الحب الذي نشعر به تجاه الفتيات من أعمارنا نحن الشباب أو ما شابهه، إنه فقط حب عادي، كحب الشخص لخالته أو لعمته إن صح التشبيه، وهذا ما حصل معي في هذه السنة.

المهم مشكلتي أنني عندما أحب شخصاً أتمنى له الهداية؛ لأني أخشى عليه عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، وأتمنى مرافقته لي في الجنة، وأتمنى أن يكون من أحباء الله وعباده، وأن يعرف السعادة الحقيقة في الإسلام.

بدأت أدعو ليل نهار لتلك المدرّسة اللطيفة المسيحية على ما أظن، بدأت أدعو لها بأن يهديها الله ويكرمها بالإسلام ويرحمها وزوجها وأبناءها بالإسلام، ولكن دائماً يخطر على بالي قوله تعالى: (( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ))[القصص:56]، عندها أحس بحزن شديد، وأبدأ بالخوف على تلك الإنسانة اللطيفة من عذاب الله من أن تكون من البغضاء عند الله والعياذ بالله، وتتضارب الأفكار عندي بأن الله أرحم الرحماء، وأن الله في نفس الوقت شديد العقاب وعليم بالعباد، وأحياناً أشعر بأنه يجب أن أبدأ بالنصح لها وأفتح معها موضوع الإسلام، ولكن يستوقفني ضعفي بأني لست بداعية، ولا أعرف كيف أبدأ؟

إن موقفي هذا يتكرر مراراً وتكراراً مع كثير من الناس، ذكراً أو أنثى، أحبه ومن ثم أبدأ بالخوف عليه، وكل همي أن أدعوه للإسلام، خصوصاً أولئك الناس الذين يتميزون بكمال العقل ورجاحته، ولكنهم يغفلون عن الإسلام لأسباب تختلف، دائماً تتضارب الأفكار عندي، أملك الرغبة ولكن لا أملك ما ينفذ الرغبة.

سؤالي شيخي الكريم! ما واجبي تجاه هؤلاء الكفار أو المسيحيين الذين أراهم كل يوم؟ هل يجب أن أتوقف عن الدعاء لتلك المدرّسة التي أحب لها الهداية؟ ما المقصود من قوله تعالى: (( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ))[القصص:56]؟ وهل رحمة الله تعالى الواسعة والعظيمة تشمل جميع الخلائق؟

أفيدوني أفادكم الله، لأني أحياناً أبكي خوفاً على من أحب من عذاب الله الأبدي في الآخرة.

وأخيراً: هل إن دخلنا الجنة بإذن الله تعالى وفضله سنتذكر من أحببنا في الدنيا ونحزن عليهم إن كان مصيرهم النار والعياذ بالله؟

أعتذر على الإطالة، ولكن ما باليد حيلة، تضارب أفكاري وتدمع عيني. فأرجو المساعدة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ب.ح حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فابتعد عن الطالبات، واشكر رب الأرض والسموات، واعلم أن الشيطان يستدرج ضحاياه بالخطوات، وارفع أكف الضراعة لمن يملك التوفيق والهداية، ومرحباً بك في موقعك، ونسأل الله أن يرفعك درجات.

لقد أسعدني حرصك على هداية من تحب وخوفك عليها من النار، وأرجو أن توكل أمر نصحها للصالحات، فالأنثى تتأثر أكثر بالفتيات، وأشغل نفسك بدعوة الرجال، ونسأل الله أن يصلح لنا ولك الحال.

ولا مانع من أن تكثر لها من الدعاء، وتظهر لها ما في ديننا من الجمال والأدب والصفاء، وإرادة الخير للناس والبعد عن المنكر والفحشاء، وإهداء الكتب التي تتحدث عن شريعتنا السمحاء، واعلم بأن المسلم داعية لدينه، بأدبه وسمعته ومظهره، وداعية إلى الله بأقواله وأفعاله وأحواله.

وأرجو الإكثار من الدعاء لتلك المدرسة ولغيرها، والإنسان يؤجر على دعائه للناس بالهداية، واجتهد في دعوة الرجال، وحرض محارمك النساء على دعوة النساء إلى الله تعالى.

أما بالنسبة لمعنى قوله تعالى: ((إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ))[القصص:56]، فهو تذكير لمن يدعو الناس بأن واجبه تقديم الدعوة في أحسن صورها، لكن ينبغي أن يعلم أن الهداية بيد الله، والهداية هدايتان:

1- هداية الإرشاد والدلالة، وهذه هي مهمة الأنبياء والدعاة والمصلحين.

2- هداية التوفيق، وهذه من الله سبحانه وحده، ولا يخفى عليك أن قلوب العباد بين أصابعه يقلبها كيف شاء.

والهداية الأولى مذكورة في قوله تعالى: (( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ))[الشورى:52]، وهذا خطاب لرسولنا صلى الله عليه وسلم الذي جاء يحمل الهدى والنور.

والهداية الثانية هي المذكورة في قوله تعالى: (( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ))[القصص:56]، والآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي ظل يحمي النبي صلى الله عليه وسلم ويحرسه، وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يرغب في إسلامه واجتهد في ذلك، ولكنه مات وهو يردد: (هو على ملة عبد المطلب)، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: (( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ))[القصص:56]، فلا يملك هداية التوفيق إلا الله وحده سبحانه.

أما رحمة الله فهي عظيمة جداً، وقد أنزل سبحانه منها جزءاً واحداً به يتراحم العباد والحيوان، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها حتى لا تصيبه، وينال الكفار أيضاً من رحمة الله في الدنيا، ومن ذلك ما أعطاهم من تمكين وعافية وأولاد، ولكن رحمة الآخرة لا ينالها إلا المؤمنين، قال تعالى: (( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ))[الأعراف:156-157].

وأرجو أن تنال أجراً على بكائك لتأخر استجابة من تحب هدايته، وأهل الجنة يتذكرون من كانوا معهم في الدنيا، بل إن أهل المقابر يتشوقون إلى معرفة الأحياء من أصدقائهم وأولادهم، ويحزنون إذا شعروا أنهم من أصحاب الجحيم.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً