الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
شعر لبشار بن برد في قينة  

حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدثنا العباس بن الفضل الربعي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: كانت بالبصرة لرجل من آل سليمان بن علي جارية، وكانت محسنة بارعة الظرف والجمال، وكان بشار بن برد صديقا لمولاها ومداحا له، فحضر مجلسه والجارية تغنيهم، فشرب مولاها وسكر ونام ونهض للانصراف من كان بالحضرة، فقالت الجارية لبشار: أحب أن نذكر مجلسنا هذا في قصيدة مليحة وترسل بها إلي على ألا تذكر فيها اسمي واسم سيدي، فقال بشار وبعث بها مع رسوله إليها:


وذات دل كأن الشمس صورتها باتت تغني عميد القلب سكرانا     إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا     فقلت: أحسنت يا سؤلي ويا أملي
فأسمعيني جزاك الله إحسانا

[ ص: 139 ]

يا حبذا جبل الريان من جبل     وحبذا ساكن الريان من كانا
قالت: فهلا فدتك النفس أحسن من     هذا لمن كان صب القلب حيرانا
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة     والأذن تعشق قبل العين أحيانا
فقلت: أحسنت أنت الشمس طالعة     أضرمت في القلب والأحشاء نيرانا
فأسمعينا غناء مطربا هزجا     يزيد حبا محبا فيك أشجانا
يا ليتني كنت تفاحا تمخضه     وكنت من قضب الريحان ريحانا
حتى إذا وجدت ريحي فأعجبها     وكنت في خلوة مثلت إنسانا
فحركت عودها ثم انثنت طربا     تبدي الترنم لا تخفيه كتمانا
أصبحت أطوع خلق الله كلهم     نفسا لأكثر خلق الله عصيانا
فقلت: أطربينا يا زين مجلسنا     فغننا، أنت بالإحسان أولانا
فغنت الشرب صوتا مؤنقا رصفا     يذكي السرور ويبكي العين أحيانا
لا يقتل الله من دامت مودته     والله يقتل أهل الغدر من كانا

قال القاضي: قول بشار في هذا الشعر: حتى إذا وددت ريحي فأعجبها، على لفظ التذكير والريح مؤنثة، وقد يكون فعل هذا في ضرورة الشعر وجعل الضمير الذي في - فأعجبها - عائدا على الريح وهي مؤنثة، إما لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وإما لأنه أراد بقوله: ريحي نسيمي ونحوه، وقد جاء في الشعر مثله كما قال الشاعر:


فلا مزنة ودقت ودقها     ولا أرض أبقل إبقالها

وقد اختلف النحويون في الفرق بين التأنيث الحقيقي والتأنيث الذي هو غير حقيقي  فقال بعضهم: التأنيث الذي هو حقيقي ما لا يطلق لفظه على مذكره لاختصاص مؤنثه بلفظه كامرأة وناقة، وأما التأنيث الذي ليس بحقيقي، فكقولهم شاة للذكر من هذا النوع والأنثى، كما قال الأعشى:


فلما أضاء الصبح قام مبادرا     وكان انطلاق الشاة من حيث خيما

قيل إن الشاة ها هنا الثور، وقوله دابة وحية لذكرهما وأنثاهما، وهذا مذهب الكوفيين، فأما البصريون فيرون الفصل بين هذين التأنيثين ومقابلهما من التذكيرين من قبل اختلافهما من جهة الفروج المختلفة فيهما، كرجل وامرأة وجمل وناقة وفتى وفتاة، وفي تذكير بشار المضمر في قوله فأعجبها وجه آخر حسن ليس فيه ما في الوجه الذي قدمنا ذكره من الضرورة، وهو جائز مطرد في النثر والشعر، ولم أر أحدا ممن يتعاطى هذا الشأن من أهل العلم والأدب أتى به وهو أن يكون لما قال: وجدت ريحي فلم يستو له التأنيث [ ص: 140 ] متى رد الضمير إلى الريح لئلا ينكسر الشعر ويفسد الوزن رده إلى الوجود، كأنه قال: وجدت ريحي فأعجبها وجود ريحي، واعتمد على دلالة الفعل الذي هو وجدت وعلى المصدر الذي هو وجود، وهذا صحيح مستفيض في كلام العرب، وقولهم: من كذب كان شرا له، فدل قولهم كذب على الكذب، وقد قال الله تعالى جده: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم المعنى: لا تحسبن البخل، فدل يبخلون على البخل، ومن هذا الباب: قول الشاعر:


إذا نهي السفيه جرى إليه     وخالف والسفيه إلا خلاف

أراد جرى إلى السفه، فدل قوله السفيه على السفه، وهذا باب واسع جدا.

التالي السابق


الخدمات العلمية