حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أصحابنا أن كتب إلى عبد [ ص: 183 ] الملك بن مروان الحجاج: أنفذ مع عبد الله بن كعب أربعة آلاف إلى خراسان ففعل، فشخص في المعسكر ثلاثة كانوا متؤاخين متصاحبين على اللذات ومعاقرة الشراب، يقال لهم: أوس بن حارثة وأنيس بن خالد وبشر بن غالب، وكانوا إذا نزلوا منزلا انفردوا دون الناس فخلوا بشرابهم ولذاتهم، فلم يزالوا على ذلك حتى دخلوا سجستان ونزلوا رزداق راوند وخزازى. قال الصواب ما ذكره وهو أحمد بن يحيى: رزداق، ورستاق خطأ - فمات أوس - قال القاضي: أصل هذا الكلام بالفارسية وعرب فقيل: رزداق ورستاق، وهو أكثر في كلام من تقدم ومن تأخر فيما وردت الأخبار عنهم به فعظم حزنهما عليه وجزعهما له، وقال أنيس يرثيه:
تخطى إلي الموت من بين من أرى فأتلف ندماني لقد جار واعتدى أثلبني فتى كان النديم حياته
لنا دون خلق الله كان أبا الرضا حليما أديبا ماجدا ذا سماحة
بعيدا عن الفحشاء والشر والخنا أمينا جوادا غير كز مخالف
ولا جاعلا ربا من المال ما حوى يخونه الدهر الخؤون بريبة
فأصبح رهنا للصفائح والصفا أناديه يا أوس بن حارثة الذي
به كنت أنفي الهم عني والأذى أجبني لقد أنفذت بالوجد عبرتي
عليك أما ترثي لباك إذا بكى وقد كنت ذا رأي وسمع وفطنة
سريعا إلى الداعي مجيبا الندا فليس لنا إذا مات أوس منادم
سوى قبره حتى يحل بنا الردى
وردنا خزازى إذ وردنا ثلاثة كأنا جميعا أيها الناس واحد
أنيس وأوس الحارثي بن خالد ونصر أخوهم والمنايا رواصد
فكنا ولا نبغي من الناس رابعا كأنا أثاف لا نريم رواكد
فلما رمانا الناس بالأعين التي متى يرمقوا شيئا بها فهو بائد
رمتني بنات الدهر منا بأسهم ونبل المنايا للرجال قواصد
فأردين أوسا لهف نفسي لفقده سقى قبره صوب الغمام الرواعد
أنيس فدته النفس ميتا فقدته فنفسي له حرى عليه تقطع
أنيس فدتك النفس أصبحت مفردا وحيدا فما أدري أخي كيف أصنع
أنيس فدتك النفس خلفت حسرة علي فعيني الدهر ما عشت تدمع
أنيس فدتك النفس ماذا رزئته لقد خفت أن أقضي وشيكا فأسرع
فكيف بقائي بعد أوس أخي الفدى وبعد أنيس لست في العيش أطمع
خليلي هبا ما قد رقدتما أجدكما لا تقضيان كراكما
ألم تعلما ما إن راوند كلها ولا بخزازى لي صديق سواكما
أصب على قبريكما من مدامة فإلا تذوقا أرو منها ثراكما
مقيم على قبريكما لست بارحا طوال الليالي أو يجيب صداكما
أجدكما ما ترثيان لموجع حزين على قبريكما إذ بكاكما
جرى النوم بين اللحم والعظم منكما كأنكما كأسي عقار سقاكما
ألم ترحماني أنني صرت مفردا وأني مشتاق إلى أن أراكما
أناديكما بالجهر مني صبابة كأنكما لم تسمعا من دعاكما
فإن كنتما لا تسمعاني فما الذي خليلي عن سمع الدعاء عداكما
سأبكيكما حتى الممات فما الذي يرد على ذي عولة إن بكاكما
تعليق لغوي
قال القاضي: قول أنيس في شعره: كأنا أثاف لا تريم رواكد، الأثافي أثافي القدر، وهي ما تنصب عليه من حجارة أو غيرها، والواحدة أثفية، ومثله أمنية وأماني وأوقية وأواق، وقد يخفف هذا فيقال أماني وأواقي، وروي عن بعض المتقدمين أنه قرأ "لا يعلمون الكتاب إلا أماني" بالتخفيف، وقيل: هو في تخفيفه وتشديده بمنزلة قراقر وقراقير في جمع قرقور، والعرب تقول في دعائها على الرجل: رماه الله بثالثة الأثافي يريدون الجبل، لأنهم يجعلون للقدر أثفيتين ويسندونهما إلى الجبل فيغنيهم عن أثفية أخرى، وقيل: إنهم يخففون الأثافي من هذا الباب أكثر من تخفيفهم غيره لكثرة استعماله، ومن قال هذا ونحوه: وقوله: لا تريم، أي لا تبرح، يقال: لا أريم وما أريم، ولا يستعمل إلا في النفي لا يقال: ما رمت كما يقال ما زلت، ولا يقال زلت في الأبيات، قال الشاعر: الأخفش
لمن طلل برامة ما يريم عفا وخلا له حقب قديم
أبانا فلا رمت من عندنا فإنا بخير إذا لم ترم
أفي الطوف خفت علي الردى وكم من رد أهله لم يرم
وإني لأجتاز القرى طاوي الحشا محاذرة من أن يقال لئيم
فتى لو ينادي الشمس ألقت قناعها أو القمر الساري لألقى المقالدا
فإن حراما أن أسب مقاعسا بآبائي الشم الكرام الخضارم
ولكن نصفا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم
أولئك أكفائي فجئتني بمثلهم وأعبد أن أهجو كليبا بدارم