الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أيهما الأصل الفعل أم المصدر

وقد تعلق نحاة الكوفيين على أصحابنا البصريين بأنهم قد اتفقوا على حمل المصدر في الاعتلال على الفعل فأجروه مجرى التابع التالي له ، وأن هذا يدل على صحة قول من قدم الفعل فجعل المصدر مأخوذا منه ، وفساد قول البصريين بتقديم المصدر والحكم بأنه أخذ منه الفعل .

وللبصريين جواب عن هذا وانفصال منه ، وذلك أن كره اختلاف الجملة واضطراب الباب ، وأوثر التوفيق بين بعضه وبعض ، فلما حضر معنى أوجب اعتلال الفعل اعتل المصدر ، على أن المعتل من المصادر ما كان متجاوزا الأصل فإنه هو أول في الحقيقة له ، ألا ترى أن أصل المصدر في القيام قام قومة وقوما على أصل القياس في التقدير ، مثل : صام صوما وعام عوما ورام روما .

ومن فائدة الاختلاف في أبنية المصادر  يحصل الفرق بين المعاني المختلفة ، كقولهم : وجدان في المال ، ووجود في الإدراك ، وموجدة في الغضب ، ووجد في الغنى ، وجدة في المال ، ووجد في الحب والغضب ، والفعل فيه كله وجد يجد ، وفرع المولدون من هذا قولهم : وجادة : ما كان من العلم أخذ من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة .

ومثل هذا في الأسماء التي حفظت مصادرها يستفاد به الفرق في العلاقة بالفتح في المحبة والخصومة ، والعلاقة بالكسر في السيف والسوط ، ولا خلاف في سبق هذه الأسماء للأفعال وتقدمها عليها .

ومما يبين إيثارهم توفيق المفضول في الجملة وإن كان القياس يقتضي لشيء منها دون غيره من بابه حكما ، فيستتبع ما سواه وإن لم يكن فيه من العلة ما فيه ، قولهم : آمن ، وأبدلوا من الهمزة مدة كراهية لاجتماع الهمزتين ، ثم حملوا عليه يومن وتومن ونومن للتوفيق والتسوية ، وإن كانوا قد يقرونه على أصله ، ويتركون إلحاقه بما العلة خاصة فيه .

وفي شرح هذا الباب وبسط القول فيه طول ليس هذا موضعه ، والفراء وهو من أنبه مخالفي البصريين في هذا الفصل وأعلمهم وأنظرهم في قياسه واستدلاله قد احتج في استحقاق الفعل الماضي الفتح يحمله إياه على التثنية في قولك : جلس وجلسا ، فألزم [ ص: 325 ] الواحد وهو متقدم حكم الاثنين وهو بعده ، فأتبع الأول الثاني وعلق عليه حكمه كأن ثانيه أول له ، ومن كان هذا مذهبه فحقيق على أن لا ينكر على خصمه مثله ، وكيف وقد أومأنا من مذهب مخالفيه إلى ما يوضح عن حقيقته ، ويدل على صحته .

التالي السابق


الخدمات العلمية