الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
من مخارج أبي يوسف

حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري ، قال : أخبرنا عبد الله بن الحسن أبو شبيب ، [ ص: 338 ] قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال :

أرسل أمير المؤمنين الرشيد إلى قاضي القضاة أبي يوسف ، في ساعة لم يكن يرسل إليه في مثلها ، قال أبو يوسف : فتحنطت وتكفنت ولبست فوق ذلك ثيابي ، ودخلت على أمير المؤمنين ، فألفيته جالسا على طرف المصلى ، وإذا بين يديه سيف مسلول ، فسلمت فرد علي السلام وأدناني ، فشم مني رائحة الحنوط ، فقال : ما هذه الرائحة فأخبرته الخبر فاسترجع ، ثم أمر بذلك فنزع عني ، وجاءني بثياب فلبستها ، ثم قال لي : تدري من خلف هذا الستر ؟ قلت : لا ، يا أمير المؤمنين ، قال : إن خلفه أعز خلق الله تعالى علي ، قال : فظننت أنها الخيزران ، ثم قال : إني أودعتها عقودا لها مقدار ، وجوهرا له خطر ، وإني فقدت منها عقدا ، فحلفت بأيمان البيعة وأكدتها على نفسي أنها تصدقني عن خبره ، فإن لم تصدقني ضربتها بسيفي هذا حتى أبضعها قطعا ،  قال أبو يوسف : يا أمير المؤمنين ! قد أخرجك الله تعالى من يمينك ، فمر بالسيف يرد إلى غمده ، فأمر به فرد إلى غمده ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! سلها وعرفها يمينك ، فسألها وغلظ عليها الأمر ، قال : قل لها : لا تجيبك حتى أقول لها ، ثم قال لها أبو يوسف : أمسكي ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ! فسلها ثانية ، فسألها وغلظ عليها ما حلف به ، فقال لها أبو يوسف : قولي إني لم آخذه ، فقالت : لم آخذه .

ثم التفت إلى أمير المؤمنين ، فقال : قد صدقتك في أحد القولين إن كانت أخذته فقد صدقت ، وإن كانت لم تأخذه فقد صدقتك .

فأمر له بعشرة آلاف درهم ، وقاما وخرجا من البيت الذي كانا فيه إلى خزانة ، فأمر بها ففتحت وأخرج إليه أسفاط فأمر بها فحلت ، فإذا فيها جوهر له خطر ، فقال أبو يوسف : يا أمير المؤمنين ! ما رأيت أحسن من هذا ، فإن رأيت أن تهبه لي ؟ فقال : لا والله ما نفسي بذلك طيبة ، فقال : فهبه لأم جعفر ، فقال : لا والله ، ولا نفسي به طيبة ، قال : يا أمير المؤمنين ! فإن لم تفعل لا هذا ولا ذا فتعلم أم جعفر أني سألتك أن تهب لها هذه العقود فأبيت ، قال : أما ذا فنعم ، فأعلم أم جعفر بذاك فأنفذت إلى أبي يوسف بمائة ألف درهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية