الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
خبر الواقدي مع يحيى بن خالد  

حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عامر ابن عمران بن زياد، أبو عكرمة الضبي، قال: حدثنا محمد بن يحيى العنبري، عن أبي عبد الله الواقدي، قال: كنت حناطا بالمدينة أضارب بمائة ألف درهم من مال الناس قبلي، فلزمني وضائع فشخصت إلى بغداد وقصدت يحيى بن خالد البرمكي، فجلست في دهليز وآنست الخدم والحاشية، وعرفتهم حاجتي إلى الوصول إليه، فقال لي بعضهم: إذا وضع الطعام لم يحجب عنه أحد، فحينئذ أدخل فأجلسك معه على المائدة، ففعل بي ذلك، وسألني يحيى عن خبري فشرحته له، فلما غسلنا أيدينا دنوت منه أقبل رأسه فاشمأز مني، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه إذ قد لحقني خادم بكيس فيه ألف دينار، فقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذا على أمرك، فأخذت وعدت في اليوم التالي فأجلست معه على المائدة، فسألني عما سألني في اليوم الماضي، كأنه لم يرني، فلما غسلنا أيدينا دنوت لأقبل رأسه فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى موضع الركوب لحقني الخادم بمثل ذلك الكيس ومثل تلك الرسالة، فأخذته وانصرفت، وفعل بي في اليوم الثالث مثل ذلك، فلما كان اليوم الرابع وغسلنا أيدينا دنوت لأقبل رأسه فلم يشمإز من ذلك، وقال: إنما امتنعت من هذا فيما مضى لأنه لم يكن وصل إليك من معروفنا ما يحتمل هذا، ثم قال: يا غلام! سلم إليه الدار الفلانية، يا غلام! أفرشه الفرش الفلاني، ثم قال: ادفعوا إليه مائة ألف درهم توجه في قضاء دينك واحمل عيالك إلى حضرتنا، فقلت: إن رأى الوزير أن يأذن لي في الشخوص لأسلم إلى غرمائي حقوقهم فأنا بهم أعرف، وأقدم بعيالي فأنا بهم أرفق. فقال: فلا تتأخر عنا، وأمر لي بجائزة أخرى للشخوص، فقدمت المدينة فقضيت ديني وقدمت بعيالي، ولم أزل في ناحيته ومنقطعا إليه.

قال القاضي: وقد روينا في هذا المعنى من أبواب المكارم ما يعود من محمود مغبتها وحسن عاقبتها، وجميل الأحدوثة عن أهلها ويأتي بالثناء عليهم، وإن تصرمت أزمانهم ففقدت أعيانهم، وقد جاء في تأويل قوله عز وجل: واجعل لي لسان صدق في الآخرين أنه الثناء الحسن، وقد قال حاتم:


أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المال، الأحاديث والذكر

وقال آخر:


ثمن الإحسان شكر     ويد المعروف ذخر


[ ص: 69 ] وثناء الحي بعد المو     ت للميت عمر

ولعمري إن الزمان الذي يثنى فيه على الميت بعد موته أحسن عمريه وأطولهما وأشرفهما وأفضلهما، ومما قيل في هذا المعنى:


ردت صنائعه إليه حياته     فكأنه من نشرها منشور

التالي السابق


الخدمات العلمية