قال أبو بكر: الحديا أن يتحدى الرجل فيقول: افعل كذا حتى أفعله، ثم يفعل كفعل أخيه.
قال القاضي: قد أتى أبو بكر بالأصل في معنى حديا إلا أنه لم يحقق تفسيره، وما ذكره من تحدي الرجل ليأتي بفعل ثم يأتي هو بمثله فيكون هذا، ويكون أن يبرز الرجل على غيره في شيء ويبر فيه على من سواه، ويبذ في تمكنه منه وسبقه إليه من عداه، فإن عارضه فيه غيره وحكاه فقد قاومه وساواه، وإن عجز من مقاومته وكل من مناهضته فالمتحدي غالب ظاهر والمتحدى مغلوب غير ظافر، وعاجز غير قادر، لا سيما إن كان في قصرته عن المقاومة نبأ عظيم وخطب جسيم كالذي كان في تحدي النبي صلى الله عليه وسلم قومه أن يعارضوا القرآن الذي أبانه الله من سائر الناس، وجعله من أكبر أعلامه ودلائه، وأن يأتوا بسورة مثله، فظهر عجزهم، وثبتت الحجة عليهم، وقتلوا دون ذلك وأسروا وأخربت ديارهم وتعقبت آثارهم، فانقلبوا صاغرين أذلاء داخرين. وهذا باب قد استقصينا الكلام فيه في مواضع مما ألفناه وأمللناه، من ذلك صدر كتابنا المسمى: " البيان الموجز عن علوم القرآن المعجز ".
والحديا في هذه الكلمة أتى مصغرا ولم يستعمل المكبر في بابه، ومثله كثير كقولهم السكيت من الخيل، وحميل للطائر وكميت. ونظير الحديا الثريا، تقدير الأصل فيها غير مصغر [ ص: 648 ] يروى مثل شروى، فهكذا حديا كأن أصله حدوى، من حدوته على كذا، ومثله حميا الكأس أصله من حموها وحميها أي: احتدامها وحرارتها وحدتها وسورتها، يقال: حمي الشيء يحمى حموا وحميا، وقول من قال: حمى يحمى حمى خطأ، وإنما مر على قياس الباب في الأصل مثل شجي يشجى شجى وعمي يعمى عمى. وقد جرى في هذا المعنى بيني وبين رجل من أهل زماننا له حظ من حفظ اللغة كلام في هذا المعنى، وأنكرت عليه قوله: أصابه ظلع، فقلت له: إنما هو ظلع بإسكان اللام، فأقام على خطائه متعلقا بالقياس الذي قدمت ذكره، فقلت له: كيف تلفظ بالمصدر الذي منه حمي يحمى فقال: حما، مارا على وتيرته فعرفته فساد ما أتى به، وذكرت له شيئا حدثت به عن أحمد بن يحيى النحوي وهو أنه ذكر الحمو والحمي وأنكر قول من يقول حمى، قيل له إن حاكيا حكى عنه حمى فقال من حكى عني هذا فاصفعوه. فكأنه انكسر باله ولم يظهر رجوعا عن قوله. ومثل الحديا من الصحيح السكرى وسكيرى وقولهم غضبى وغضيبى. ومن الحديا قول عمرو بن كلثوم التغلبي:
حديا الناس كلهم جميعا مقارعة بنيهم عن بنينا
فسره بعض أهل العلم فقال: المقارعة المخاطرة هاهنا. حديا الناس: يقال أنا حدياك عن هذا الأمر أي: أنا أخاطرك عليه، أراد إذ نحن نقاتل الناس أجمعين نقارعهم بنيهم عن بنينا، فإن غلبناهم سبينا نساءهم، وإن غلبونا فعلوا بنا مثل ذلك. الحجاج: " أنا حديا الظبي السانح والغراب الأبقع والكوكب ذي الذنب " فإنه أراد إنا لثقتنا بالغلبة والاستعلاء، والإحاطة والاستيلاء، نتحدى ارتفاع الظبي سانحا، وهو أحمد ما يكون في سرعته ومضائه، والغراب الأبقع في تحذره وذكائه، ومكره وخبثه ودهائه، وذا الذنب من الكواكب فيما ينذر به من عواقب مكروهة وبلائه، فقال وقول الحجاج هذا مختالا في غلوائه، ومرهبا لمن بين ظهرانيه من أعدائه، والله ذو البأس الشديد بالمرصاد له ولحزبه وأوليائه.