الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَعِنْدَ هَذَا الذِّكْرِ كَلَّفَ الْإِنْسَانَ فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ : النَّوْعُ الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) وَفِيهِ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ الزَّجَّاجُ : فِيهِ سَبْعُ لُغَاتٍ : كَسْرُ الْفَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا ، وَكُلُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِتَنْوِينٍ وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَاللُّغَةُ السَّابِعَةُ أُفِّي بِالْيَاءِ قَالَ الْأَخْفَشُ : كَأَنَّهُ أَضَافَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ : قَوْلِي هَذَا ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ لُغَاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ثَلَاثَةً زَائِدَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ : " إِفَّ " بِكَسْرِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَأُفَّهْ بِضَمِّ الْأَلْفِ وَإِدْخَالِ الْهَاءِ وَ " أُفْ " بِضَمِّ الْأَلْفِ وَتَسْكِينِ الْفَاءِ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ : بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَنَافِعٌ وَحَفْصٌ : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالتَّنْوِينِ ، وَالْبَاقُونَ : بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ وَكُلُّهَا لُغَاتٌ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ( أُفٍّ لَكُمْ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 67 ] وَفِي الْأَحْقَافِ : ( أُفٍّ لَكُمَا ) [ الْأَحْقَافِ : 17 ] وَأَقُولُ : الْبَحْثُ الْمُشْكِلُ هَهُنَا أَنَّا لَمَّا نَقَلْنَا عَشَرَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ اللُّغَاتِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، فَمَا السَّبَبُ فِي أَنَّهُمْ تَرَكُوا أَكْثَرَ تِلْكَ اللُّغَاتِ فِي قِرَاءَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى وُجُوهٍ قَلِيلَةٍ مِنْهَا ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهًا : الْأَوَّلُ : قَالَ الْفَرَّاءُ : تَقُولُ الْعَرَبُ : جَعَلَ فُلَانٌ يَتَأَفَّفُ مِنْ رِيحٍ وَجَدَهَا ، مَعْنَاهُ يَقُولُ : أُفٍّ أُفٍّ . الثَّانِي : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْأُفُّ وَسَخُ الْأُذُنِ وَالْتُفُّ وَسَخُ الظُّفُرِ ؛ يُقَالُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِقْذَارِ الشَّيْءِ ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلُوا عِنْدَ كُلِّ مَا يَتَأَذَّوْنَ بِهِ . الثَّالِثُ : قَالَ بَعْضُهُمْ أُفٍّ مَعْنَاهُ قِلَّةٌ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَفِيفِ وَهُوَ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ وَتُفٍّ إِتْبَاعٌ لَهُ ، كَقَوْلِهِمْ : شَيْطَانٌ لَيْطَانٌ خَبِيثٌ نَبِيثٌ . الرَّابِعُ : رَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : الْأُفُّ الضَّجَرُ . الْخَامِسُ : قَالَ الْقُتَبِيُّ : أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَنَّهُ إِذَا سَقَطَ عَلَيْكَ تُرَابٌ أَوْ رَمَادٌ نَفَخْتَ فِيهِ لِتُزِيلَهُ وَالصَّوْتُ الْحَاصِلُ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هُوَ قَوْلُكَ " أُفٍّ " ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فَذَكَرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ عِنْدَ كُلِّ مَكْرُوهٍ يَصِلُ إِلَيْهِمْ . السَّادِسُ : قَالَ الزَّجَّاجُ : " أُفٍّ " مَعْنَاهُ النَّتَنُ وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، لِأَنَّهُ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) أَيْ : لَا تَتَقَذَّرْهُمَا كَمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَقَذَّرَاكَ حِينَ كُنْتَ تَخْرَى أَوْ تَبُولُ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ إِذَا وَجَدْتَ مِنْهُمَا رَائِحَةً تُؤْذِيكَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية