الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 121 ] يبق في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قالوا : فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال : ( سبحان الذي أسرى بعبده ) .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : هذا أيضا بعيد ؛ لأنه لا يبعد أن يقال : إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره البتة ، فلا جرم كان هذا الكلام لائقا به . فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معا .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب : أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه قوله تعالى : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) [العلق : 9 - 10 ] . ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضا في سورة الجن : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) [الجن : 19] . والمراد مجموع الروح والجسد ، فكذا ههنا .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور ، وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى السماوات ، واحتج المنكرون له بوجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : بالوجوه العقلية وهي ثلاثة :

                                                                                                                                                                                                                                            أولها : أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن صعود الجرم الثقيل إلى السماوات غير معقول .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أن صعوده إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك ، وذلك محال .

                                                                                                                                                                                                                                            والشبهة الثانية : أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات ، وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك عبثا ، وذلك لا يليق بالحكيم .

                                                                                                                                                                                                                                            والشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) [الإسراء : 60] . وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج ، وإنما كان فتنة للناس ؛ لأن كثيرا ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر به فكان حديث المعراج سببا لفتنة الناس ، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام .

                                                                                                                                                                                                                                            الشبهة الرابعة : أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة ، منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بماء زمزم وهو بعيد ؛ لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة ، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد ؛ لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك ، فأي حاجة إلى البراق ، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ، ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى عليه الصلاة والسلام . قال القاضي : وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره ، وأنه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال ، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما يجوز قبوله فكان مردودا .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى وهو قوله : ( لنريه من آياتنا ) . وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن خيرات الجنة عظيمة ، وأهوال النار شديدة ، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا ، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال [ ص: 122 ] النار ، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما ، وحينئذ يتفرغ للشفاعة .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة - صارت سببا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السماوات والكرسي والعرش ، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه ، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل ، وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى . يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب - لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن قوله : ( لنريه من آياتنا ) كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به وعائدة إليه على سبيل التعيين .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الشبهة الثالثة : أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الشبهة الرابعة : لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : أما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش ، فهذه الآية لا تدل عليه ، ومنهم من استدل عليه بأول سورة " والنجم " ، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى : ( لتركبن طبقا عن طبق ) [الانشقاق : 19] . وتفسيرهما مذكور في موضعه ، وأما دلالة الحديث فكما سلف . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية