الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز ; لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس ؟ !

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عنه من وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الأول : أنا لا نسلم أن قوله : ما ترك على ظهرها من دابة . يتناول جميع الدواب . وأجاب أبو علي الجبائي عنه : أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلاكهم ، وحينئذ لا يبقى لهم نسل ، ثم من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب ، وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا ; لأن الدواب [ ص: 49 ] مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن .

                                                                                                                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضا على سائر الناس والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا ، وفي حق غيرهم امتحانا ، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام .

                                                                                                                                                                                                                                            والوجه الثالث : أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر ، وفي انقطاعه انقطاع النبت ، فكان لا تبقى على ظهرها دابة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضير إلا نفسه ، فقال : لا والله بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم ، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب الثاني : أن المراد من قوله : ما ترك على ظهرها من دابة ، أي : ما ترك على ظهرها من كافر ، فالمراد بالدابة الكافر ، والدليل عليه قوله تعالى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) [ الأعراف : 179 ] والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية