الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            ( و ) صوم يوم ( عرفة )  وهو تاسع الحجة لخبر مسلم { صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده } والمراد بالسنة التي قبل يوم عرفة السنة التي تتم بفراغ شهره وبالسنة التي بعده السنة أولها المحرم الذي يلي الشهر المذكور ، إذ الخطاب الشرعي محمول على عرف الشرع وعرفه فيها ما ذكرناه ولكون السنة التي قبله لم تتم إذ بعضها مستقبل كالسنة التي بعده أتى مع المضارع بأن المصدرية التي تخلصه للاستقبال ، وإلا فلو تمت الأولى كان المناسب التعبير فيها بلفظ الماضي : قال الإمام : ( والمكفر الصغائر دون الكبائر )   . قال صاحب الذخائر : وهذا منه تحكم يحتاج إلى دليل والحديث عام وفضل الله واسع لا يحجر . قال ابن المنذر في قوله صلى الله عليه وسلم { من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه } : هذا قول عام يرجى أنه يغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها   . قال الماوردي : وللتكفير تأويلان أحدهما الغفران والثاني العصمة حتى لا يعصى ، ثم ما ذكر من التكفير محله فيمن له صغائر وإلا زيد في حسناته ، ويوم عرفة أفضل الأيام لأن صومه كفارة سنتين كما مر بخلاف غيره ، ولأن الدعاء فيه أفضل من غيره ، ولخبر مسلم { ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه من النار من يوم عرفة } وأما خبر { خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة } فمحمول على غير يوم

                                                                                                                            [ ص: 207 ] عرفة بقرينة ما ذكر وأفتى الوالد رحمه الله تعالى بأن عشر رمضان أفضل من عشر ذي الحجة لأن رمضان سيد الشهور ، ويسن صوم الثمانية أيام قبل يوم عرفة  كما صرح به في الروضة سواء في ذلك الحاج وغيره ، أما الحاج فلا يسن له صوم يوم عرفة يل يستحب له فطره ولو كان قويا للاتباع   . رواه الشيخان ، وليقوى على الدعاء ، ويؤخذ منه استحباب صومه لحاج لا يصل عرفة إلا ليلا ، وبه صرح في المجموع وغيره ، ونقله في شرح مسلم عن جمهور العلماء وأن صومه لمن وصلها نهارا خلاف الأولى ، بل في نكت التنبيه المصنف أنه مكروه . وأما المسافر والمريض فيسن لهما فطره  مطلقا كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه ، وقضيته أنه لا فرق بين طويل السفر وقصيره وهو محتمل ، ويحتمل التقييد بالطويل كنظائره ، والأوجه الأول إقامة للمظنة مقام المئنة ، وظاهر كلامهم عدم انتفاء خلاف الأولى أو الكراهة بصوم ما قبله ، لكن ينافيه ما يأتي في صوم الجمعة مع اتحاد العلة فيهما ، بل هذا أولى لأنه يغتفر في خلاف الأولى ما لا يغتفر في المكروه . وقد يفرق بأن القوة الحاصلة بالفطر هنا من مكملات المغفرة الحاصلة بالحج لجميع ما مضى من العمر ، وليس في ضم صوم ما قبله إليه جابر بخلاف الفطر ثم فإنه من مكملات المغفرة تلك الجمعة فقط ، وفي ضم صوم يوم له جابر ، فإن قيل قضية ذلك أن صوم هذا أولى بالكفارة من صوم يوم الجمعة ، قلنا : صد عن ذلك ورود النهي المتفق على صحته ثم بخلافه هنا

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية