الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 2906 267 - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَنَهْ سَنَهْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْلِي وَأَخْلَقِي ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلَقِي ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلَقِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذُكِّرَ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ: " سَنَهْ سَنَهْ " بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: " سَنَاهْ سَنَاهْ " بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالْهَاءِ فِيهِمَا لِلسَّكْتِ، وَقَدْ يُحْذَفُ، وَفِي الْمَطَالِعِ هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ الْخَفِيفَةِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَشَدَّدَهَا الْبَاقُونَ، وَهِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ لِلْجَمِيعِ، إِلَّا الْقَابِسِيَّ، فَكَسَرَهُ، وَيُرْوَى: سِنَاهُ وَسِنَاهُ، مَعْنَاهُ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ، كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ الرَّطَانَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ. ذِكْرُ رِجَالِهِ: وَهُمْ خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ: حِبَّانُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالنُّونِ ابْنُ مُوسَى أَبُو مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ. الثَّانِي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمَرْوَزِيُّ. الثَّالِثُ: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَخُو إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ عَنْهُ مِرَارًا، يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ الرَّابِعُ. الْخَامِسُ: أُمُّ خَالِدٍ اسْمُهَا أَمَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِنْتُ خَالِدٍ، مَرَّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: أَمَةُ أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيَّةُ، وُلِدَتْ بِالْحَبَشَةِ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ، فَوَلَدَتْ لَهُ خَالِدًا وَعَمْرًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي طَبَقَةِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمَدَنِيُّ، لَكِنْ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَا لِابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ رِوَايَةٌ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ شَيْخَ ابْنِ الْمُبَارَكِ هُنَا هُوَ خَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ، قُلْتُ: عِبَارَةُ الْكِرْمَانِيِّ هَكَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ خَالِدٍ مَذْكُورٌ هُنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَالثَّالِثُ غَيْرُهُمَا، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. انْتَهَى. قُلْتُ: لَمْ يَقُلِ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّ شَيْخَ ابْنِ الْمُبَارَكِ هُنَا هُوَ خَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، بَلْ قَالَ: الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَأَرَادَ بِهِ خَالِدًا فِي قَوْلِهِ: " أُمُّ خَالِدٍ "، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَالِدًا هَذَا هُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى مَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي اللِّبَاسِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، وَعَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَفِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَفِي الْأَدَبِ عَنْ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي اللِّبَاسِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الْجِرَّاحِ الْأَذَنِيِّ. قَوْلُهُ: " بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ "، وَهُوَ مَا كَانَ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ: " فَزَبَرَنِي " بِالزَّايِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ مِنَ الزَّبْرِ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي. قَوْلُهُ: " دَعْهَا " أَيْ اتْرُكْهَا. قَوْلُهُ: " أَبْلِي " مِنْ أَبْلَيْتُ الثَّوْبَ إِذَا جَعَلْتُهُ عَتِيقًا، وَيُقَالُ: الْبَلَاءُ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الِاخْتِبَارُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ مُقَيَّدًا. قَوْلُهُ: " وَأَخْلَقِي " مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ بِمَعْنَى أَبْلَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا مِنَ الثُّلَاثِيِّ؛ إِذْ خَلُقَ بِالضَّمِّ وَأَخْلَقَ بِمَعْنَى، وَكَذَلِكَ بَلِيَ وَأَبْلَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ فِي الْمَعْطُوفِ تَأْكِيدًا وَتَقْوِيَةً لَيْسَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: " أَخَلْفِي " بِالْفَاءِ، وَالْمَشْهُورُ بِالْقَافِ مِنْ إِخْلَاقِ الثَّوْبِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: مَعْنَى أَبْلِ وَأَخْلِقْ، أَيْ عِشْ فَخَرِّقْ ثِيَابَكَ وَارْقَعْهَا، قَوْلُهُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَفِي بَعْضِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيِ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ: فَبَقِيَتْ أَيْ أُمُّ خَالِدٍ قَوْلُهُ: " حَتَّى ذُكِّرَ " عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَالضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى الْقَمِيصِ، وَيُرْوَى عَلَى صِيغَةِ بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَالضَّمِيرُ لِلْقَمِيصِ أَيْضًا، أَيْ حَتَّى ذُكِّرَ دَهْرًا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ لِلرَّاوِي وَنَحْوَهُ، أَيْ حَتَّى ذُكِّرَ الرَّاوِي مَا نَسِيَ طُولَ مُدَّتِهِ، وَيُرْوَى: " حَتَّى ذَكَرَتْ " بِلَفْظِ بِنَاءِ الْمَعْلُومِ، أَيْ بَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَتْ دَهْرًا طَوِيلًا، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَفِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ، أَيْ حَتَّى صَارَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَ النَّاسِ لِخُرُوجِهَا عَنِ الْعَادَةِ، وَرِوَايَةُ أَبِي الْهَيْثَمِ: " حَتَّى دَكِنَ " بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الدُّكْنَةِ، وَهِيَ غُبْرَةٌ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَاسْوَدَّ لَوْنُهُ، وَرَجَّحَهُ أَبُو ذَرٍّ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: " فَذَكَرَ دَهْرًا " وَلَفْظُ: " دَهْرًا " مَحْذُوفٌ فِي كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ كَأَنَّهُ أَرَادَ بَقِيَ هَذَا الْقَمِيصُ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنَ الزَّمَانِ، فَنَسِيَهَا الرَّاوِي فَعَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: " ذَكَرَ دَهْرًا " أَيْ زَمَانًا بِحَسَبِ تَحْدِيدِهِ. ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ: فِيهِ جَوَازُ لِبْسِ الْقَمِيصِ الْأَصْفَرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى وَالِدِ أُمِّ خَالِدٍ، وَفِيهِ الْمُسَامَحَةُ لِلْأَطْفَالِ فِي اللَّعِبِ بِحَضْرَةِ آبَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ لِمَنْ يَلْبَسُ جَدِيدًا، بِقَوْلِهِ: " أَبْلِي وَأَخْلِقِي "، أَوْ أَبْلِ وَأَخْلِقْ لِلَّابِسِ، وَفِيهِ جَوَازُ الرَّطَانَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ لِلتَّكَلُّمِ مَعَ رُسُلِ الْعَجَمِ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِكَلَامِ الْعَجَمِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْعَجَمِيَّةِ إِذَا كَانَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ لَا يَفْهَمُهَا، فَيَكُونُ كَمُنَاجِي الْقَوْمِ دُونَ الثَّالِثِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا اثْنَانِ فَأَكْثَرُ يَلْزَمُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية