الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
الجامع الصغير للسيوطي 1597 - (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟) (م) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ . (صح) فيض القدير (أَمَا عَلِمْتَ) يَا عَمْرُو الَّذِي جَاءَ إِلَيْنَا يُبَايِعُنَا وَقَدْ أَرَادَ وُقُوعَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمَغْفِرَةِ (أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي أَيْ يُسْقِطُ وَيَمْحُو أَثَرَهُ وَيَرْفَعُ خَبَرَهُ (وَأَنَّ الْهِجْرَةَ) مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ (تَهْدِمُ) أَيْ تَمْحُو وَالْمُرَادُ بِالْهِجْرَةِ مَا كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ (مَا كَانَ قَبْلَهَا) مِنَ الْخَطَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَقِّ الْحَقِّ تَعَالَى مِنَ الْعُقُوبَاتِ أَمَّا الْحَقُّ الْمَالِيُّ كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ فَفِي سُقُوطِهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) الْحُكْمُ فِيهِ كَسَابِقَيْهِ لَكِنْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ أَنَّهُ يُكَفِّرُ حَتَّى الدِّمَاءَ وَالْمَظَالِمَ أَخَذَ بِهِ جَمْعٌ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ مَعَ الْإِسْلَامِ تَأْكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُتَابَعَتِهِ وَفِيهِ عَظَّمَ مَوْقِعَ كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ ذَكَرَهُ شَارِحُونَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ التَّأْكِيدِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ حُكْمُ الْإِسْلَامِ أَحَدُهَا أَنَّهُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ فَإِنَّ غَرَضُ عَمْرٍو مِنْ إِبَائِهِ عَنِ الْمُبَايَعَةِ الْآتِي بَيَانُهُ مَا كَانَ إِلَّا حُكْمُ نَفْسِهِ فِي إِسْلَامِهِ وَالْهِجْرَةُ وَالْحَجُّ زِيَادَةُ فِي الْجَوَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَهْتَمَّ بِشَأْنِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْهِجْرَةَ كَذَلِكَ " الثَّانِي " أَنَّ هَمْزَةَ إِمَّا فِيهَا مَعْنَى النَّفْيِ وَمَا نَافِيَةٌ فَإِذَا اجْتَمَعَا دَلَّا عَلَى التَّقْرِيرِ سِيَّمَا وَقَدْ أُتْبِعَا بِقَوْلِهِ عَلِمْتَ إِيذَانًا بِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَابَ فِيمَا يَتْلُوهُمَا " الثَّالِثُ " لَفْظُ يَهْدِمُ فَإِنَّهُ قَرِينَةُ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ شَبَّهَ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ فِي قَلْعِهَا الذُّنُوبَ مِنْ مَحَلِّهَا بِمَا يَهْدِمُ الْبِنَاءَ مِنْ أَصْلِهِ ثُمَّ أَثْبَتَ لِلْإِسْلَامِ مَا يُلَائِمُ الْمُشَبَّهَ بِهِ مِنَ الْهَدْمِ " الرَّابِعُ " التَّرَقِّي فَإِنَّ قَوْلَهُ الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ أَبْلَغُ فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ لِأَنَّهُ دُونَهَا فَإِذَا هَدَمَ الْحَجُّ الذُّنُوبَ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَهْدِمَهَا الْهِجْرَةُ لِأَنَّهَا مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ وَالْأَحْبَابِ " الْخَامِسُ " تَكْرِيرُ يَهْدِمُ فِي كُلٍّ مِنَ الْخِصَالِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْهَدْمِ (م) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شَمَّاسَةَ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ) قَالَ حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ فَجَعَلَ وَلَدُهُ يَقُولُ يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَمَا بَشَّرَكَ بِكَذَا فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ إِنَّ أَفْضَلَ مَا نَعُدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ أَيْنَ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ لَقَدْ رَأَيْتَنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِلْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ فَلَوْ مُتُّ عَلَى ذَلِكَ كُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ أُبَايِعْكَ فَبَسَطَهَا فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ قُلْتُ أَشْتَرِطُ قَالَ تَشْتَرِطُ مَاذَا قُلْتُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَذَكَرَهُ فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ رَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ وُلِّينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي حَالِي فِيهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية