الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      تنبيهات الأول : أن الصفي الهندي قد حرر المذاهب في هذه المسألة تحريرا جيدا فقال : الواقعة التي وقعت إما أن يكون عليها نص أم لا ، فإن كان الأول فإما أن يجتهد المجتهد أم لا . والثاني على قسمين : لأنه إما أن يقصر في طلبه أو لا يقصر . وإن وجده فحكم بمقتضاه فلا كلام ، وإن لم يحكم بمقتضاه فإن كان مع العلم بوجه دلالته على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقا ، وإن لم يكن مع العلم ولكن قدر في البحث عنه فكذلك ، وإن لم يقصر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم يعثر على وجه دلالته على المطلوب فحكمه حكم ما إذا لم يجده مع الطلب الشديد ، وسيأتي . وإن لم نجده فإن كان لتقصير في الطلب فهو مخطئ ، وآثم ، وإن لم يقصر بأن بالغ في التنقيب عنه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده .

                                                      فإن خفي عليه الراوي الذي عنده النص ، أو عرفه ولكن مات قبل وصوله إليه فهو غير آثم قطعا ، وهل هو مخطئ أم مصيب ؟ على الخلاف الآتي فيما [ ص: 299 ] لا نص فيه ، وأولى أن يكون مخطئا . وأما التي لا نص فيها فإما أن يقال : لله فيها قبل اجتهاد المجتهد حكم معين ، أو لا ، بل حكمه تابع لاجتهاد المجتهد . فهذا الثاني قول من قال : كل مجتهد مصيب ، وهو مذهب جمهور المتكلمين ، كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي والغزالي والمعتزلة ، كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم وأتباعهم ، ونقل عن الشافعي وأبي حنيفة . والمشهور عنهما خلافه . وهذا في أنه وإن لم يوجد في الواقعة حكم معين فهل وجد فيها ما لو حكم الله فيها بحكم لما حكم إلا به أو لم يوجد ذلك ؟ والأول : هو القول بالأشبه ، وهو قول كثير من المصريين وإليه صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج في إحدى الروايتين عنه .

                                                      قال القاضي في " مختصر التقريب " : ذهب بعضهم في الأشبه إلى أنه ليس هذا بل هو أولى طرق الشبه في المقاييس والعبر ، ومثلوا ذلك بإلحاق الأرز بالبر بوصف الطعم أو القوت أو الكيل ، وأحد هذه الأوصاف أشبه عند الله وأقرب في التمثيل . وأما الثاني فقول المخلص من المصوبة . وأما الأول وهو أن لله في الواقعة حكما معينا ، فإما أن يقال : عليه دلالة أو أمارة فقط ، أو ليس عليه دلالة ولا أمارة . فأما ( القول الأول ) : وهو أن على الحكم دليلا يفيد العلم فهو قول بشر المريسي والأصم وابن علية ، وهؤلاء اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه ، وأنه إذا وجده فهو مصيب ، وإذا أخطأه فهو مخطئ ، ولكنهم اختلفوا في المخطئ هل يأثم ويستحق العقاب ؟ فذهب بشر إلى التأثيم وأنكره الباقون لخفاء الدليل وغموضه . واختلفوا أيضا في أنه هل ينقض قضاء القاضي فيه ؟ فذهب الأصم إلى أنه ينقض ، وخالفه الباقون .

                                                      وأما ( القول الثاني ) : وهو أن على الحكم أمارة فقط فهو قول أكثر [ ص: 300 ] الفقهاء الأئمة الأربعة وكثير من المتكلمين ، وهؤلاء اختلفوا ، فمن قائل : إن المجتهد غير مكلف بإصابته لخفائه وغموضه وإنما هو مكلف بما غلب على ظنه ، فهو وإن أخطأ - على تقدير عدم إصابته - لكنه معذور مأجور ، وهو منسوب إلى الشافعي رحمه الله تعالى . وأما ( القول الثالث ) : وهو أنه لا دلالة عليه ولا أمارة ، فذهب إليه جمع من المتكلمين وزعموا أن ذلك الحكم " كدفين " . قال القاضي في " مختصر التقريب " : واختلف هؤلاء فذهب بعضهم إلى أن العثور عليه ليس بواجب ، وإنما الواجب الاجتهاد . وذهب بعضهم إلى أن العثور عليه مما يجب على المكلف وإن لم يكن عليه دليل . .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية