الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      الثاني : الشرعي : وهو المتعلق بالفروع والمذاهب وفيه ثلاثة : فرقة أوجبت التقليد وفرقة حرمته وفرقة توسطت . [ الأول ] فذهب بعض المعتزلة إلى تحريم التقليد مطلقا ، كالتقليد في الأصول ، ووافقهم ابن حزم ، وكاد يدعي الإجماع على النهي عن التقليد ، قال ونقل عن مالك أنه قال : ( أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي ، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما لم يوافق فاتركوه ) وقال عند موته : وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأي سوطا ، على أنه لا صبر لي على السياط قال : فهذا مالك ينهى عن تقليده ، وكذلك الشافعي وأبو حنيفة ، وقد ذكر الشافعي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ، فقال بعض جلسائه : يا أبا عبد الله ، أتأخذ به ؟ فقال له : أرأيت علي زنارا ؟ أرأيتني خارجا من كنيسة ؟ حتى تقول لي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : أتأخذ بهذا ؟ [ ص: 328 ] ولم يزل رحمه الله في كتبه ينهى عن تقليده وتقليد غيره ، هكذا رواه المزني في أول " مختصره " عنه .

                                                      وهذا الذي قاله ممنوع ، وإنما نهوا المجتهد خاصة عن تقليدهم ، دون من لم يبلغ هذه الرتبة ، قال القرافي : مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد ، وإبطال التقليد لقوله : { فاتقوا الله ما استطعتم } واستثنى مالك أربع عشرة صورة للضرورة : وجوب التقليد على العوام ، وتقليد القائف ، إلى آخر ما ذكره . والثاني يجب مطلقا ، ويحرم النظر ، ونسب إلى بعض الحشوية . والثالث : وهو الحق ، وعليه الأئمة الأربعة وغيرهم يجب على العامي ، ويحرم على المجتهد ، وقول الشافعي وغيره : " لا يحل تقليد أحد " مرادهم على المجتهد ، قال عبد الله بن أحمد : سألت أبي ، الرجل يكون عنده الكتب المصنفة ، فيها قول الرسول واختلاف الصحابة والتابعين ، وليس له بصيرة بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي من الضعيف ، هل يجوز أن يعمل بما شاء ويفتي به ؟ قال : لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عما يؤخذ به منها . قال القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا أن فرضه التقليد والسؤال إذا لم يكن له معرفة بالكتاب والسنة . انتهى .

                                                      وأما تحريمه على المجتهد ، فلقوله تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } يعني كتاب الله وسنة رسوله بالاستنباط وفي حديث معاذ المتلقى بالقبول لما { قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله . قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ، قال أجتهد رأيي ولا آلو فقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله ، إلى ما يرضاه رسول الله } . قالوا فصوبه في ذلك ، ولم يذكر من جملته التقليد ، فدل ذلك على أن التقليد يحرم على العلماء الذين هم من [ ص: 329 ] أهل الاجتهاد والاستنباط ، ولهذا قال تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } . قال المزني في كتابه فساد التأويل " : توفيق الله تعالى لمعاذ في اجتهاده لما يرضاه رسوله عندنا إنما هو لنظر الكتاب والسنة ولو كان تأويله أفرض ما رأيت في الحادثة ، لوجب فرض ذلك على جميع الناس ، قال : وقد ذم الله التقليد في غير ما آية كقوله : { إنا وجدنا آباءنا على أمة } وقوله : { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } وقال تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } وفي الحديث { إن الله لا يقبض العلم انتزاعا وإنما يقبض العلم بقبض العلماء } قال : ويقال لمن حكم بالتقليد : هل لك من حجة فإن قال : نعم ، أبطل التقليد ، لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد وإن قال بغير علم ، قيل له : فلم أرقت الدماء ، وأبحت الفروج والأموال ، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة . فإن قال : أنا أعلم أني قد أصبت ، وإن لم أعرف الحجة ، لأن معلمي من كبار العلماء .

                                                      قيل له : تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك ، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمه كما لم يقل معلمك إلا بحجة قد خفيت عنك ، فإن قال : نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه ، وكذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة ، فإن أبى ذلك نقض قوله ، وقيل له : كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ، ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأغزر علما وقد روي عن { رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه حذر من زلة العالم } . وعن ابن مسعود .

                                                      [ ص: 330 ] رضي الله عنه أنه قال { : لا يقلدن أحدكم دينه ، رجلا ، فإن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر } . وأما وجوبه على العامة ، فلقوله تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وقوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } فأمر بقبول قول أهل العلم فيما كان من أمر دينهم ، ولولا أنه يجب الرجوع إليهم لما كان للنذارة معنى ، ولقضية الذي شج ، فأمروه أن يغتسل ، وقالوا : لسنا نجد لك رخصة فاغتسل ومات فقال النبي عليه السلام : { قتلوه قتلهم الله ، إنما كان شفاء العي السؤال } فبان بذلك جواز التقليد . قال الشيخ أبو حامد : ولأنه لا خلاف أن طلب العلم من فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض ، سقط عن الباقين ، ولو منعنا التقليد ، لأفضى إلى أن يكون من فروض الأعيان .

                                                      ونقل غير واحد إجماع الصحابة فمن بعدهم عليه ، فإنهم كانوا يفتون العوام ، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد ، ولأن الذي يذكره المجتهد له من الدليل ، إن كان بحيث لا يكفي في الحكم فلا عبرة به ، وإن كان يذكر له ما يكفي ، فأسند إليه الحكم [ ص: 331 ] في مثل ذلك ، التزمه قطعا وقال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك ، في بعض مؤلفاته : لو وجب على الكافة التحقيق دون التقليد أدى ذلك إلى تعطيل المعاش ، وخراب الدنيا ، فجاز أن يكون بعضهم مقلدا ، وبعضهم معلما ، وبعضهم متعلما ، ولم ترفع درجة أحد في الجنان لدرجة العلماء والمتعلمين ثم درجة المحبين وقال : المصير في الموجب لتقليد العامي للعالم ، عدم آلة الاستنباط وتعذرها عليه في الحال ، والتماس أصول ذلك ، فلو تركه حتى يعلم جميعها ، ويستنبط منها لتعطلت الفرائض من العالم حتى يصيروا كلهم علماء ، وهذا فاسد ، فرخص له في قبول قول العالم الباحث . ولا يجوز له قبول قول من هو مثله ، ومن هذا امتنع تقليد المجتهد لمثله ، لأن المعنى الموجب لدفع التقليد وجود الأدلة وهو متمكن منها .

                                                      قلت : والفرق بينه وبين العقائد ، أن المطلوب في العقائد العلم ، والمطلوب في الفروع الظن ، والتقليد قريب من الظن ، ولأن العقائد أهم من الفروع والمخطئ فيها كافر . وأورد الإمام فخر الدين شبهة للمانعين من التقليد ، قال : إنهم يمنعون العمل بالإجماع وخبر الواحد والقياس ، ويتمسكون بالظواهر ، ويقولون : حكم العقل في المنافع الإباحة ، وفي المضار الحرمة ، ولا يترك هذا إلا لنص قاطع المتن والدلالة والعامي الذكي يعلم ذلك وإلا نبهه المفتي عليه ، وعلى النص القاطع في الواقعة إن جهله ، ولا يقال معرفة ذلك تمنعه من المعاش والمصالح التي الاشتغال عنها يفضي إلى خراب العالم ، لأنه يقتضي إيجاب معرفة أصول الدين ، ولا يجاب بأن الواجب معرفة أدلة النبوة والتوحيد جملة وهي سهلة ، بخلاف الفروع لكثرتها وتشعبها ، لأنه إن لم يعلم جميع مقدمات الدليل الجلي ، فقد قلد في بعضها ، فيكون مقلدا في النتيجة ، وإن علمها وما يرد فقد حصل الاشتغال . وجوابه على تقدير تسليم تقليل الأدلة ، فذلك [ ص: 332 ] يحتاج إلى تأمل وممارسة ، وهو مفقود في العامي .

                                                      إذا علمت هذا فلا بد من تقسيم يجمع أفراد المسألة ، ويضبط شعبها ، فنقول : العلوم نوعان : نوع يشترك في معرفته الخاصة والعامة ، ويعلم من الدين بالضرورة ، كالمتواتر ، فلا يجوز التقليد فيه لأحد ، كعدد الركعات ، وتعيين الصلاة ، وتحريم الأمهات والبنات ، والزنى ، واللواط ، فإن هذا مما لا يشق على العامي معرفته ، ولا يشغله عن أعماله ، وكذا في أهلية المفتي . ونوع مختص معرفته بالخاصة ، والناس فيه ثلاثة ضروب : مجتهد ، وعامي ، وعالم لم يبلغ رتبة الاجتهاد . أحدها : العامي الصرف : والجمهور على أنه يجوز له الاستفتاء ، ويجب عليه التقليد في فروع الشريعة جميعها ، ولا ينفعه ما عنده من العلوم لا تؤدي إلى اجتهاد ، وحكى ابن عبد البر فيه الإجماع ، ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها ، وأنهم المرادون بقوله : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } قال : وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره في القبلة ، نقل لك من لا علم له ولا بغيره بمعنى ما يدين به . انتهى . ومنع منه بعض معتزلة بغداد ، كالتقليد في الأصول ، وقالوا : يجب عليه الوقوف على طريق الحكم وعلته ، ولا يرجع إلى العالم ، إلا لتنبيهه على أصولها ، ونقله القاضي عبد الوهاب ، عن الجعفر بن مبشر ، وابن حرب منهم عن الجبائي : يجوز في المسائل الاجتهادية دون ما طريقه القطع ، فإنه يصير مثل العقليات ونحوه . قول الأستاذ : يجب عليه تحصيل علم كل مسألة في الفقه يدركها القطع ، ويجوز له التقليد في ظنياته إلى القطعيات ، الفروع بالأصول . وحكى ابن برهان الخلاف على وجه آخر ، فقال : من صار له التقليد ، [ ص: 333 ] لم يجب عليه السؤال عن الدليل ، ونقل عن أبي علي الجبائي أنه قال : يجب عليه أن يعلم كل مسألة بدليلها . وصار بعض الناس إلى أن المسائل الظاهرة يجب عليه معرفتها دون الخفية . انتهى . وإذا قلنا بأن وظيفة العامي التقليد جاء الخلاف السابق أنه هل هو تقليد حقيقة ؟ فالقاضي يمنعه ويقول إنما مستدل ، لأن الله تعالى أوجب عليه اتباع العالم ، وهو خلاف يرجع إلى العبارة ، لأن القائل بالتقليد لم ير إلا هذا ، ولكن لسان حملة الشريعة جرى على صحة إطلاق التقليد للعامي ، والنهي عن إطلاق الاجتهاد عليه .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية