الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: الَّذِينَ لَمَّ يَشْرَبُوا مِنْهُ كَانَتْ عِدَّتُهُمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. ابْنُ عَبَّاسٍ : عِدَّةُ أَصْحَابِ بَدْرٍ. فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ هَذَا قَوْلُ مَنْ ضَعُفَتْ بَصِيرَتُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ . ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ : هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ طَالُوتَ. قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ السُّدِّيُّ : مَعْنَى {يَظُنُّونَ} : يُوقِنُونَ. غَيْرُهُ: يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ فِي تِلْكَ الْحَرْبِ; لِقِلَّتِهِمْ. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ : (الْفِئَةُ) : الطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ; أَيِ: الْقِطْعَةُ، مِنْ (فَأَوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ) ، و(فَأَيْتُهُ) ؛ أَيْ: قَطَعْتُهُ. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ : (الْبُرُوزُ) : أَصْلُهُ مِنَ الظُّهُورِ. أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا أَيِ: اصْبُبْهُ عَلَيْنَا. وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا أَيْ: ثَبِّتْنَا بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ: كَسَرُوهُمْ، وَرَدُّوهُمْ، وَمِنْهُ: (تَهَزَّمَ السِّقَاءُ) ؛ إِذَا يَبِسَ وَتَصَدَّعَ. وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ : هُوَ دَاوُدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ فِي عَسْكَرِ طَالُوتَ، فَبَرَزَ إِلَى جَالُوتَ، فَقَتَلَهُ بِحَجَرٍ رَمَاهُ بِهِ، فَيُرْوَى: أَنَّ طَالُوتَ انْخَلَعَ، وَوَلَّى دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ طَالُوتَ. وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ : (الْحِكْمَةُ) : النُّبُوَّةُ. وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ قِيلَ: عَمَلَ الدُّرُوعِ وَشَبَهِهَا. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يَعْنِي: الْجِهَادَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِمَنْ يَتَّقِي عَمَّنْ لَا يَتَّقِي، وَبِمَنْ يُصَلِّي عَمَّنْ لَا يُصَلِّي; لَأَهْلَكَ النَّاسَ بِذُنُوبِهِمْ. تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ : إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ : نَبَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ يَعْنِي: مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ يَعْنِي: الْعَلَامَاتُ الْوَاضِحَةُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي رُوحُ الْقُدُسِ . وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَيْ: مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالِاثْنَانِ جَمْعٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَعْنَى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَمَرَ بِالْقِتَالِ بَعْدَ وُضُوحِ الْآيَاتِ. وَقِيلَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ; لَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقِتَالِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لَوْ شَاءَ اللَّهُ; لَاضْطَرَّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ. وَقَوْلُهُ: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ أَيْ: تَصَدَّقُوا. قَالَ الْحَسَنُ : الزَّكَاةُ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : الزَّكَاةُ وَالتَّطَوُّعُ. و(الْخُلَّةُ) : خَالِصُ الْمَوَدَّةِ، مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَخَلُّلِ الْأَسْرَارِ بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ يَسُدُّ خَلَلَ صَاحِبِهِ. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ : {الْقَيُّومُ} : (فَيْعُولُ) مِنْ (قَامَ) ؛ أَيِ: الْقَائِمُ بِتَدْبِيرِ مَا خَلَقَ، عَنْ قَتَادَةَ . ابْنُ جُبَيْرٍ : الدَّائِمُ الْوُجُودِ. الْحَسَنُ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، حَتَّى يُجَازِيَهَا بِعَمَلِهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ عَالِمٌ بِهِ. ابْنُ عَبَّاسٍ : الَّذِي لَا يَزُولُ. وَلَا يَكُونُ (قَيُّومٌ) (فَعُّولًا) ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَاوِ، فَكَانَ يَكُونُ (قَؤُّومًا) . لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ : أَيْ: نَعْسَةٌ. السُّدِّيُّ : السِّنَةُ: رِيحُ النَّوْمِ الَّذِي يَأْخُذُ فِي الْوَجْهِ، فَيَنْعَسُ الْإِنْسَانُ. الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ; وَهُوَ الْوَسْنَانُ. و(النَّوْمُ) : الِاسْتِثْقَالُ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ أَيْ: مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا خَلْفَهُمْ أَيْ: مِنَ الْآخِرَةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: مَا مَضَى أَمَامَهُمْ، وَمَا يَكُونُ خَلْفَهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدِيمٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي: عِلْمُهُ، وَعَنْهُ أَيْضًا: قَدْرُ الْقَدَمَيْنِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: تَقَدُّمُ عِلْمِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: قَدَمَ صِدْقٍ [يُونُسُ: 2] وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَا تَسْكُنُ جَهَنَّمُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ قَدَمَهُ فِيهَا »؛ أَيْ: مَنْ سَبَقَ فِي قَدِيمِ عِلْمِهِ أَنَّهُ فِيهَا. الْحَسَنُ : الْكُرْسِيُّ: الْعَرْشُ، وَقِيلَ: سَرِيرٌ دُونَ الْعَرْشِ، وَقِيلَ: {كُرْسِيُّهُ} : مُلْكُهُ. و(الْكُرْسِيُّ) فِي اللُّغَةِ: الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ: مِنْ لُزُومِ الشَّيْءِ، وَتَرَاكُبِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. وَهُوَ الْعَلِيُّ أَيْ: الْعَلِيُّ بِالْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَالْمُنَزَّهُ عَنِ الصَّوَاحِبِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالْأَشْبَاهِ، وَالْأَضْدَادِ. و {الْعَظِيمُ} أَيِ: الْعَظِيمُ السُّلْطَانِ وَالشَّأْنِ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ : {الْغَيِّ} : ضِدُ {الرُّشْدُ} . و(الطَّاغُوتُ) : الشَّيْطَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ، الْحَسَنُ : الشَّيَاطِينُ، سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْكَاهِنُ، أَبُو الْعَالِيَةِ : السَّاحِرُ، وَقِيلَ: الْأَصْنَامُ، وَقِيلَ: كُلُّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَرَدَةُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَأَصْلُهُ: (فَعَلُوتُ) ، مَنْ (طَغَيْتُ) أَوْ (طَغَوْتُ) ، فَقُلِبَتْ، فَصَارَ: (طَوَغُوتَ) أَوْ (طَيَغُوتُ) ، ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ أَلِفًا. سِيبَوَيْهِ: {الطَّاغُوتُ} : اسْمٌ وَاحِدٌ مُؤَنَّثٌ، يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ. و(الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى) : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مُجَاهِدٌ : الْإِيمَانُ. لَا انْفِصَامَ لَهَا أَيْ: لَا انْقِطَاعَ لَهَا. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ: نَاصِرُهُمْ، وَأَصْلُ (الْوَلِيِّ) : الْقَرِيبُ، مِنْ (وَلِيَ كَذَا) ؛ إِذَا قَرُبَ مِنْهُ، فَالْمُؤْمِنُونَ قَرِيبُونَ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ : مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ. يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ : مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، وَلَمْ يَكُونُوا فِي الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: (أَخْرَجْتَنِي مِنْ عِنَايَتِكَ) ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا. مُجَاهِدٌ : هِيَ مَخْصُوصَةٌ فِي قَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ يَعْنِي: نُمْرُودَ بْنَ كَنْعَانٍ، قِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ، وَكَانَ النَّاسُ يَمْتَارُونَ الطَّعَامَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا قَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَلَمَّا مَرَّ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ; قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. وَالْهَاءُ فِي {رَبِّهِ} : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِإِبْرَاهِيمَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِنُمْرُودَ، وَكَذَلِكَ: أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ، فَإِنْ كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ; فَـ {الْمُلْكَ} : النُّبُوَّةُ. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ يَعْنِي: نَمْرُودَ; أَيْ: سَكَتَ، وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا، وَرَدَّهُ بِغَيْرِ طَعَامٍ، فَيُرْوَى: أَنَّهُ مَلَأَ أَوْعِيَتَهُ رَمْلًا; لِيُطَيِّبَ نُفُوسَ أَهْلِهِ أَوَّلَ دُخُولِهِ عَلَيْهِمْ، فَوَجَدُوهَا طَعَامًا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية