الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَضِيلَةُ إِتْمَامِ الْأَرْكَانِ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَمَثَلِ الْمِيزَانِ ، مَنْ أَوْفَى اسْتَوْفَى وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَوِيَةً كَأَنَّهَا مَوْزُونَةٌ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ أُمَّتِي لَيَقُومَانِ إِلَى الصَّلَاةِ وَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ ، وَإِنَّ مَا بَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَأَشَارَ إِلَى الْخُشُوعِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْعَبْدِ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا يَخَافُ الَّذِي يُحَوِّلُ وَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ ؟ . إتحاف السادة المتقين (فَضِيلَةُ إِتْمَامِ الْأَرْكَانِ) جَمْعُ رُكْنٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْجَانِبُ الْأَقْوَى، وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْجُزْءُ الذَّاتِيُّ الَّذِي تَتَرَكَّبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْفَرَائِضِ، وَقِيلَ: رُكْنُ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ التَّقَوُّمِ، إِذْ قِوَامُ الشَّيْءِ بِرُكْنِهِ لَا مِنَ الْقِيَامِ، وَالْأَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ رُكْنًا لِلْفِعْلِ، وَالْجِسْمُ رُكْنًا لِلْعَرْضِ، وَالْمَوْصُوفُ لِلصِّفَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ، وَفِي "الْمِصْبَاحِ": أَرْكَانُ الشَّيْءِ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ، قَالَ: وَالْغَزَالِيُّ جَعَلَ الْفَاعِلَ رُكْنًا فِي مَوَاضِعَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ رُكْنًا فِي مَوَاضِعَ كَالْعِبَادَاتِ، وَالْفَرْقُ عَسِيرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ عِلَّةٌ لِفِعْلِهِ، وَالْعِلَّةَ غَيْرُ الْمَعْلُولِ، فَالْمَاهِيَّةُ مَعْلُولَةٌ؛ فَحَيْثُ كَانَ الْفَاعِلُ مُتَّحِدًا اسْتَقَلَّ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ، كَمَا فِي الْعِبَادَةِ، وَأُعْطِيَ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَلَمْ يُجْعَلْ رُكْنًا؛ وَحَيْثُ كَانَ الْفَاعِلُ مُتَعَدِّدًا لَمْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ، بَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ غَيْرَ عَاقِدٍ، بَلِ الْعَاقِدُ اثْنَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَثَلًا غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَعُدَ عَنْ شَبَهِ الْعِلَّةِ، وَأَشْبَهَ جُزْءَ الْمَاهِيَّةِ فِي افْتِقَارِهِ إِلَى مَا يَقُومُهُ، فَنَاسَبَ جَعْلَهُ رُكْنًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَمَثَلِ الْمِيزَانِ، مَنْ أَوْفَى اسْتَوْفَى) ، أَيْ: مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا بِوَاجِبَاتِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا اسْتَوْفَى مَا وُعِدَ بِهِ مِنَ الْفَوْزِ بِدَارِ الثَّوَابِ وَالنَّجَاةِ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا، وَأَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الشُّعَبِ" مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ جَهَالَةٌ اهـ . قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالدَّيْلَمِيُّ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُمْ جَمِيعًا: "الصَّلَاةُ مِيزَانٌ، فَمَنْ وَفَّى اسْتَوْفَى"، وَفِي "الْقُوتِ" عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ، فَمَنْ أَوْفَى أُوفِيَ لَهُ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ". اهـ . قُلْتُ: وَقَوْلُ سَلْمَانَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْهُ، (وَقَالَ يَزِيدُ) بْنُ أَبَانٍ (الرَّقَاشِيُّ) ، تَابِعِيٌّ، عَنْ أَنَسٍ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، (كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَوِيَةً كَأَنَّهَا مَوْزُونَةٌ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو الْوَلِيدِ الصَّفَّارُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ أُمَّتِي لَيَقُومَانِ إِلَى الصَّلَاةِ وَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنَّ مَا بَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَشَارَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَى الْخُشُوعِ) ، أَيْ: هَذَا خَشَعَ وَهَذَا لَمْ يَخْشَعْ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُحَبَّرِ فِي كِتَابِ الْعَقْلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ بِنَحْوِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَرَوَاهُ الْحَرْثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِ الْمُحَبَّرِ اهـ . قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي خَاتِمَةِ كِتَابِ الْعِلْمِ فَرَاجِعْهُ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى عَبْدٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ.) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ اهـ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا يَخَافُ الَّذِي يُحَوِّلُ وَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ؟) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ؟"، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي "عَوَالِمِ مَشَايِخِ مِصْرَ" مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: "مَا يُؤَمِّنُهُ إِذَا الْتَفَتَ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ كَلْبٍ أَوْ وَجْهَ خِنْزِيرٍ؟". قَالَ: مُنْكَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَهُ الْعِرَاقِيُّ . قُلْتُ: وَهُوَ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ بِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا "رَأْسَ" بَدَلَ "وَجْهَ"، وَبِزِيَادَةِ: "أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ"، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : "رَأْسَ كَلْبٍ"، وَفِي أُخْرَى: "أَوَ لَا يَخْشَى"، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ زِيَادَةُ: "وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ" وَأُلْحِقَ بِهِ الرُّكُوعُ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّحْوِيلِ، فَقِيلَ: حَقِيقَةٌ بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ وُقُوعِ الْمَسْخِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْ مَجَازٌ عَنِ الْبَلَادَةِ الْمَوْصُوفِ بِهَا الْحِمَارُ، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلْجَاهِلِ، أَوْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا هَذَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْوَعِيدِ الْوُقُوعُ، وَارْتَضَى الْمُصَنِّفُ الثَّانِيَ وَرَدَّ مَا عَدَاهُ، وَقَالَ: هُوَ قَلْبٌ مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ مَصِيرُهُ كَالْحِمَارِ فِي مَعْنَى الْبَلَادَةِ، إِذْ غَايَةُ الْحُمْقِ الْجَمْعُ بَيْنَ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّقَدُّمِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ كَبِيرٌ لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ بِأَشْنَعِ الْعُقُوبَاتِ وَأَبْشَعِهَا وَهُوَ الْمَسْخُ، لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَأَبْطَلَهَا أَحْمَدُ كَالظَّاهِرِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية