الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم وشخصه الكريم وقل سلام : عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه .

ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين .

التالي السابق


ثم قال المصنف: (وأحضر في قلبك النبي -صلى الله عليه وسلم-) ، أي: روحه الزكية (وشخصه الكريم) على قدر معرفتك به، وتعظيمك له، وأكثر الناس به معرفة خدمة حديثه الشريف، فإنهم يطلعون على أحواله الشريفة [ ص: 159 ] وشمائله الزكية أكثر من غيرهم فيكون استحضارهم له أقوى وأثبت، (و) إذا تيسر لك ذلك (قل: السلام عليك) ، هكذا بالتعريف في النسخ، وفي بعضها بالتنكير، وهو الأوفق، قال النووي : حذف اللام من السلام في الموضعين جائز، أي: في تشهد ابن مسعود قال: والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم اهـ .

واللام فيه للعهد التقديري، أي: السلامة من المكاره، أو الذي وجه إلى الرسل، أو الذي سلمه الله عليك ليلة المعراج، أو المراد حقيقة السلام الذي يعرف كل أحد، وعمن يصدر وعلى من ينزل فيكون للجنس، أو هي للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: وسلام على عباده الذين اصطفى ، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، وإنما قال: عليك، فعدل عن الغيبة إلى الخطاب؛ لأنه اتباع لفظه -صلى الله عليه وسلم- بعينه حين علم الحاضرين من أصحابه، كذا أورده القسطلاني في شرح البخاري .

قلت: واختار مشايخنا أهل الباطن أن اللام للجنس فيكون سلامه على النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل تحياته للشمول والعموم، أي: بكل سلام، وهذا يؤذن بأن العبد قد انتقل عن مشاهدة ربه من حيث الإطلاق أو أمر ما من الأمور التي كان فيها في سجوده إلى مشاهدة الحق في النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما قدم عليه بالحضور سلم عليه وقال: (أيها النبي) خاطبه مواجهة بالنبوة؛ لأنها في حق ذات النبي أعم وأشرف، فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه وما أمر بتبليغه لأمته الذين هو منه رسول فعم وعرف ما يخاطب به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الحضور رواية من غير حرف نداء يؤذن ببعد كما هو عليه من حال قوته، ولهذا جاء بحرف الخطاب ثم عطف بعد السلام عليه فقال: (ورحمة الله) هي الرحمة الإلهية لشمولها للامتنان والوجوب، فأضافها إلى الله لما رزقه -صلى الله عليه وسلم- من السلامة عن كل ما ينشؤه في مقامه في ذلك، ثم عطف فقال (وبركاته) هي البركات المضافة إلى ألوهيته والبركات هي الزيادة، وقد قيل له: وقل ربي زدني علما، فكان هذا المصلي في هذه التحيات يقول له: سلام عليك ورحمة تقتضي الزيادات عندك من العلم بالله الذي هو أشرف الحالات عند الله (وليصدق أملك) أيها المصلي العارف (في أنه) أي: هذا السلام وما بعده (يبلغه) -صلى الله عليه وسلم- في برزخه كما ورد ذلك في الأخبار الصحيحة، (و) أنه -صلى الله عليه وسلم- (يرد عليك ما هو أوفى منه) ، وذلك بواسطة ملائكة وكلت للتبليغ (ثم تسلم) ، وفي نسخة: ثم سلم (على نفسك) ، فتقول: السلام علينا بشمول السلام وأجناسه كما سلمت على النبي، وجاء بنون الجمع ليؤذن أن كل جزء من هذا المسلم مسلم على بقية أجزائه وعوالمه، وذلك إذا كان هذا العبد قد نظر إلى بيت قلبه، ونزه الحق أن يكون حالا في قلبه، وإن وسعه لما يقتضيه جلال الله من عدم المناسبة بين ذاته تعالى وبين خلقه، ورأى بيت قلبه خاليا من كل ما سوى الله فسلم على نفسه كما أمر إذا دخل بيتا ما فيه أحد أن يسلم على نفسه قال تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة يعني: إن لم تجدوا فيها أحدا فيكون العبد هنا مترجما عن الحق في سلامه؛ لأنه قال: تحية من عند الله، كما جاء في سمع الله لمن حمده، فكذلك يقولها في الصلاة نيابة عن الحق؛ لأنه ما ثم من حدث له حال دخول أو خروج فيكون السلام منه أو عليه، فدل على أنه تجل خاص، ولا بد ثم عطف من غير إظهار لفظ السلام فقال: (وعلى الجميع عباد الله الصالحين) ، وإنما زاد المصنف لفظ جميع؛ لكونه أورد الجملة بالمعنى، وهو مستفاد من الجمع المحلى بالألف واللام، وهو يفيد العموم، وله صيغ، وهذه منها قاله ابن دقيق العيد .

وعند الأصوليين فيه خلاف، والمراد بالصالحين القائمون بما عليهم من الحقوق الإلهية وحقوق العباد، وهو عموم بعد خصوص هكذا فسره شراح البخاري، وقال العارفون: إنا ننوي بالصالحين المستعملين فما صلحوا له، أي شيء كان، ولهذا لم يذكر لفظ السلام في هذا العطف واكتفى بالواو تنبيها على ذلك، فإنه يدخل فيه من يستحق [ ص: 160 ] السلام بطريق الوجوب، ومن لا يستحقه، ولم يعطف السلام الذي سلم به على نفسه على السلام الذي سلم به على نبيه؛ فإنه لو عطف عليه لسلم على نفسه بالنبوة، وهو باب قد سده الله كما سد باب الرسالة عن كل مخلوق بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة، يعني بهذا أنه لا مناسبة بيننا وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه في المرتبة التي لا تنبغي لنا فابتدأ بالسلام في طورنا من غير عطف، والله أعلم .



(تنبيه) :

سلامه -صلى الله عليه وسلم- مثل ما أمرنا أن نقوله فيه وجهان، أحدهما أن يكون المسلم عليه هو الحق، وهو نائب مترجم عنه تعالى في ذلك كما جاء في سمع الله لمن حمده والآخر أن يقوم في صلاته في تلك الحالة في مقام غير مقام النبوة، ثم يخاطب بنفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه نفسه أيضا من كونه نبيا، ويحضره من أجل الخطاب، فيقول: السلام عليك أيها النبي فعل الأجنبي، والله أعلم .




الخدمات العلمية