الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين السُّجُودُ . ثُمَّ يَهْوِي إِلَى السُّجُودِ مُكَبِّرًا فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَضَعُ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ وَكَفَّيْهِ مَكْشُوفَةً . ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلَوْ سَجَدَ عَلَى طَرَفِ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ نَظَرَ: إِنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ قِيَامًا وَقُعُودًا لَمْ يَجُزْ كَكَوْرِ الْعِمَامَةِ، وَإِنْ طَالَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى ذَيْلِ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا وَضْعَ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ فَلَا نُوجِبُ كَشْفَهُمَا، أَمَّا الرُّكْبَتَانِ فَلِأَنَّهُمَا مِنَ الْعَوْرَةِ أَوْ مُلْتَصِقَتَانِ بِالْعَوْرَةِ، فَلَا يَلِيقُ بِتَعْظِيمِ الصَّلَاةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَاسِحًا عَلَى الْخُفِّ، وَفِي كَشْفِهِمَا إِبْطَالُ طَهَارَةِ الْمَسْحِ وَتَفْوِيتُ تِلْكَ الرُّخْصَةِ . قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَلْطَفَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي "شَرْحِ الْعُمْدَةِ" هَذَا الِاسْتِدْلَالَ، فَقَالَ: وَفِي عَدَمِ كَشْفِ الْقَدَمَيْنِ دَلِيلٌ لَطِيفٌ جِدًّا، وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَسْحَ بِمُدَّةٍ تَقَعُ فِيهَا الصَّلَاةُ مَعَ الْخُفِّ، فَلَوْ وَجَبَ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ لَوَجَبَ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَانْتَقَضَتِ الطَّهَارَةُ، وَبَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَهَذَا بَاطِلٌ . ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَأَمَّا الْيَدَانِ إِذْ أَوْجَبْنَا، فَفِي كَشْفِهِمَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا يَجِبُ؛ لِحَدِيثِ خَبَّابٍ، وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِظْهَارُ هَيْئَةِ الْخُشُوعِ وَغَايَةِ التَّوَاضُعِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِكَشْفِ الْجَبْهَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ يَشُقُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِكَثْرَةِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ، فَإِنَّهَا بَارِزَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْكَشْفَ فَفِي وُجُوبِ كَشْفِ الْبَعْضِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَبْهَةِ . قُلْتُ: وَفِي "الْإِفْصَاحِ": "وَاخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِ كَشْفِ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : لَا يَجِبُ، وَقَالَ مَالِكٌ : يَجِبُ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ الْجَدِيدُ مِنْهُمَا وُجُوبُهُ" اهـ . قُلْتُ: وَلَكِنَّ قَوْلَ الرَّافِعِيِّ "دَلِيلُ الْوُجُوبِ حَدِيثُ خَبَّابٍ" فِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ، ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلِلسُّجُودِ ثَلَاثُ هَيْئَاتٍ، إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ الْأَعَالِي أَعْلَى، كَمَا لَوْ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ وَكَانَ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ حَقْوَيْهِ؛ فَإِنَّ اسْمَ السُّجُودِ لَا يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الْأَسَافِلُ أَعْلَى، فَهَذِهِ هَيْئَةُ التَّنْكِيسِ، وَهِيَ الْمَطْلُوبَةُ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ تُسَاوِيَ الْأَعَالِي الْأَسَافِلَ لِارْتِفَاعِ مَوْضِعِ الْجَبْهَةِ وَعَدَمِ رَفْعِهِ الْأَسَافِلَ، فَفِيهَا تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ . قُلْتُ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ السُّجُودِ عَدَمُ ارْتِفَاعِ مَحَلِّهِ عَنْ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ ذِرَاعٍ، فَإِنْ زَادَ عَلَى نِصْفِ ذِرَاعٍ لَمْ يَجُزْ، أَيْ: لَمْ يَقَعْ مُعْتَدًّا بِهِ كَمَا فِي "الدِّرَايَةِ"، ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَقَلِّ السُّجُودِ، وَبَقِيَتْ فِيهِ أُمُورٌ أَوْرَدَهَا الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ، فَقَالَ: أَحَدُهَا الطُّمَأْنِينَةُ كَمَا فِي الرُّكُوعِ؛ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ الثَّانِي: لَا يَكْفِي فِي وَضْعِ الْجَبْهَةِ الْإِمْسَاسُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ بِثِقْلِ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ، وَحَتَّى تَسْتَقِرَّ جَبْهَتُهُ وَتَثْبُتَ، فَلَوْ سَجَدَ عَلَى قُطْنٍ أَوْ حَشِيشٍ أَوْ مَا حُشِيَ بِهِمَا، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّحَامُلِ حَتَّى تَثْبُتَ الْجَبْهَةُ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَكْفِي عِنْدِي أَنْ يُرْخِيَ رَأْسَهُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّحَامُلِ كَيْفَمَا فُرِضَ مَوْضِعُ السُّجُودِ . وَالثَّالِثُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهُوِيِّهِ غَيْرَ السُّجُودِ، فَلَوْ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الِاعْتِدَالِ قَبْلَ قَصْدِ الْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ لَمْ يُحْسَبْ، بَلْ يَعُودُ لِلِاعْتِدَالِ وَيَسْجُدُ عَنْهُ، وَلَوْ هَوَى لِيَسْجُدَ فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ بِجَبْهَتِهِ، نَظَرَ: إِنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ بِنِيَّةِ الِاعْتِمَادِ لَمْ يُحْسَبْ عَنِ السُّجُودِ، وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ هَذِهِ النِّيَّةَ يُحْسَبُ، وَلَوْ هَوَى لِيَسْجُدَ فَسَقَطَ مِنْ جَنْبَيْهِ وَانْقَلَبَ، فَأَتَى بِصُورَةِ السُّجُودِ عَلَى قَصْدِ الْإِقَامَةِ وَالِاسْتِنَادِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ قَصَدَ السُّجُودَ اعْتُدَّ بِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الرَّوْضَةِ": قُلْتُ: إِذَا قَصَدَ الِاسْتِقَامَةَ، لَهُ حَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَهَا قَاصِرًا صَرْفَ ذَلِكَ عَنِ السُّجُودِ فَلَا يُجْزِئُهُ قَطْعًا، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِعْلًا لَا يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ عَامِدًا. قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الِاسْتِقَامَةَ وَلَا يَقْصِدَ صَرْفَهُ عَنِ السُّجُودِ، بَلْ يَغْفُلُ عَنْهُ، فَلَا يُجْزِئُهُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْتَدِلَ جَالِسًا ثُمَّ يَسْجُدُ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُومَ لِيَسْجُدَ مِنْ قِيَامِ الظَّاهِرِ، فَلَوْ قَامَ كَانَ زَائِدًا قِيَامًا مُتَعَمِّدًا، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. هَذَا بَيَانُ الْحَالَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ السُّجُودَ وَالِاسْتِقَامَةَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنِ السُّجُودِ قَطْعًا. قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِي كَوْنِهِ تَرَكَ اسْتِيفَاءَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي أَلْحَقْتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية