الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ مَرَضٌ ، فَلَمْ يَقُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ صَلَّى مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَفَاتَهُ جَوَابُ الْمُؤَذِّنِ ، فَإِذَا سَلَّمَ قَضَى وَأَجَابَ ، وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ سَكَتَ ، وَلَا مَعْنَى الْآنَ لِقَوْلِ : مَنْ يَقُولُ : إِنَّ ذَلِكَ مِثْلُ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ يَقْضِي ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ . نَعَمْ مَنْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ فَعَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ عُذْرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُرَخِّصَ لِنَفْسِهِ فِي تَرْكِهِ بَلْ يَتَدَارَكُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ حَتَّى لَا تَمِيلَ نَفْسُهُ إِلَى الدَّعَةِ وَالرَّفَاهِيَةِ . وَتَدَارُكُهُ حَسَنٌ عَلَى سَبِيلِ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا ، وَإِنْ قَلَّ فَيُقْصَدُ بِهِ أَنْ لَا يَفْتُرَ فِي دَوَامِ عَمَلِهِ وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِعِبَادَةٍ ، ثُمَّ تَرَكَهَا مَلَالَةً مَقَتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَحْذَرِ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ الْوَعِيدِ . وَتَحْقِيقُ هَذَا الْخَبَرِ . أَنَّهُ مَقَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَرْكِهَا مَلَالَةً فَلَوْلَا الْمَقْتُ وَالْإِبْعَادُ لَمَا سُلِّطَتْ الْمَلَالَةُ عَلَيْهِ . ( فَصْلٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ فِي رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ: مِنْ قَائِلٍ بَأَنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَمِنْ قَائِلٍ بِوُجُوبِهِمَا، وَالَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّهُمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا إِنْ أَرَادَ الْقُعُودَ فِيهِ، فَإِنْ وَقَفَ أَوْ عَبَرَ فِي زَمَانِ النَّهْيِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو هَذَا الدَّاخِلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي زَمَانِ إِبَاحَةِ النَّافِلَةِ أَوْ فِي زَمَانِ النَّهْيِ عَنْهَا، فَإِنْ دَخَلَ فِي زَمَانِ النَّهْيِ فَلَا يَرْكَعُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَتَخَيَّلُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ يُعَارِضُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فَاعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَا يُعَارَضُ بِهِ الْأَمْرُ الثَّابِتُ، إِلَّا عِنْدَنَا فَإِنَّهُ لَنَا فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ إِذَا ثَبَتَ، وَالْأَمْرَ إِذَا ثَبَتَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا إِذَا نَهَانَا أَنْ نَمْتَثِلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وَأَنْ نَجْتَنِبَ كُلَّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ يَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِ ذَلِكَ النَّهْيِ، وَقَالَ فِي الْأَمْرِ الثَّابِتِ: "وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَقَدْ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَنَهَانَا عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقَدْ حَصَلْنَا بِالنَّهْيِ فِي حُكْمِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِتْيَانَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِوُجُودِ النَّهْيِ؛ فَانْتَفَتِ الِاسْتِطَاعَةُ شَرْعًا كَمَا تُنْفَى عَقْلًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ: فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ لَا الِاسْتِطَاعَةُ الْمَشْرُوعَةُ، وَلَا الْمَعْقُولَةُ؛ فَوَجَبَ الْعُمُومُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ: إِنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ مَنَعَنِي مِنَ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ مَا يَحْوِيهِ هَذَا الْأَمْرُ الْوَارِدُ مِنَ الْأَزْمِنَةِ فَلَا أَسْتَطِيعُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُخَصَّصِ بِالنَّهْيِ شَرْعًا؛ فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَكُرْسِيُّ تَجَلِّيهِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَاجِيَهُ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَيِّيَهُ؛ فَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ نُحَيِّي رَبَّنَا إِذَا دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ؛ فَنُسَلِّمُ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِقَوْلِنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْبَشَرِ مَنْ كَانَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْمَلَأُ الْأَعْلَى فَلَا يَخْلُو هَذَا الدَّاخِلُ لِمَا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَدْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصَرِهِ حَتَّى أَدْرَكَ مَنْ بِالْمَسْجِدِ مِنْهُمْ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ كَمَا يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ وَجَدَ فِيهِ مِنَ الْبَشَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ لِمَنْ فِيهِ فَلْيَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيَنْوِي كُلَّ صَالِحٍ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، وَيُجْعَلُ الْحَقَّ فِي قِبْلَتِهِ، وَتَكُونُ تِلْكَ الرَّكْعَتَانِ مِثْلَ التَّحِيَّةِ الَّتِي تُحَيَّى بِهَا الْمُلُوكُ إِذَا تَجَلَّوْا لِرَعِيَّتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَعِنْدَمَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ خَاضِعًا لَيْلًا مُرَاقِبًا مُمْتَثِلًا أَمْرَ سَيِّدِهِ فِي نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ رَسَمَ لَهُ بِالْقُعُودِ فِي بَيْتِهِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ أَمَرَهُ بِالْقُعُودِ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ؛ فَهَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صَلَاةُ شُكْرٍ، وَمَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْجُلُوسِ، وَلَيْسَ فِي نِيَّتِهِ الْجُلُوسُ، وَهُوَ وَقْتُ صَلَاةٍ فَتِلْكَ الرَّكْعَتَانِ تَحِيَّةٌ لِلَّهِ لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، وَمَنْ رَاعَى مِنَ الْعَارِفِينَ دُخُولَهُ عَلَى الْحَقِّ فِي بَيْتِهِ، وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُ خَاطِرُ التَّقْيِيدِ بِالْأَوْقَاتِ كَانَ رُكُوعُهُ رُكُوعَ تَحِيَّةٍ لِدُخُولِهِ، وَمَنْ كَانَ حَاضِرًا عَلَى الدَّوَامِ مُنَاجِيًا لِلَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَتْ بِتَحِيَّةٍ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهَا رُكُوعُ شُكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ بِدُخُولِهِ بَيْتَ اللَّهِ؛ إِذْ جَعَلَ اللَّهُ الْمَسْجِدَ بَيْتَ كُلِّ تَقِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية