الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " والكفارة عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن أفطر فيهما ابتدأهما فإن لم يستطع فإطعام ستين مدا لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره الواطئ أنه لا يجد رقبة ، ولا يستطيع صيام شهرين متتابعين ، ولا يجد إطعام ستين مسكينا أتى بعرق فيه تمر - ( قال ) سفيان والعرق المكتل - فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فتصدق به ( قال الشافعي ) والمكتل خمسة عشر صاعا وهو ستون مدا " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال :

                                                                                                                                            كفارة الوطء في رمضان مرتبة بلا تخيير فيبدأ بالعتق ، فإن قدر عليه لم يصم ، وإن عجز عنه صام شهرين متتابعين ، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكينا ، وبه قال أكثر الفقهاء وقال مالك : هي على التخيير مثل كفارة اليمين إن شاء أعتق أو صام ، أو أطعم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أفطر في رمضان ، أن يعتق أو يصوم أو يطعم ، وهذا خطأ لما رويناه في حديث الأعرابي ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " اعتق رقبة " فقال : لا أجد . فقال : صم شهرين متتابعين فقال : لا أستطيع . فقال : " أطعم ستين مسكينا " فلم ينقله عن العتق إلى الصيام إلا بالعجز عنه فدل على عدم التخيير ، ووجوب الترتيب ولرواية أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الذي أفطر في رمضان بكفارة الظهار وقد أجمعوا على ترتيبها ، ولأنه نوع تكفير يجب بضرب من المأثم ، فوجب أن يكون من شرط الترتيب ، أصله كفارة القتل والظهار ، ولأن الكفارات في الشرع ضربان : ضرب بدئ فيها بالأغلظ فكان الترتيب فيها واجبا ، مثل كفارة الظهار والقتل بدئ فيها بالعتق ، وضرب بدئ فيها بالأخف فكان التخيير فيها مستحقا ، مثل كفارة اليمين [ ص: 433 ] بدئ فيها بالإطعام ثم وجدنا كفارة الجماع بدئ فيها بالأغلظ ، وهو العتق فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقا ، فأما ما رواه مالك فقد رويناه على الترتيب ، والقصة واحدة وروايتنا أولى لكثرة الرواة ، ونقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وتفسير ألفاظه التي لا يدخلها احتمال .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية