الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا تقرر أنه لا يكلف زكاتها صحاحا من غير ماله ، فقد قال الشافعي " يأخذ خير المعيب " واختلف أصحابنا في مراده فمنهم من أجرى الكلام على ظاهره وأوجب أخذ خير المعيب من جميع ماله وهذا غلط ، لأنه لا يطرد على أصل الشافعي ، ومنهم من قال : أراد بذلك أخذ خير الفرضين وهي الحقاق وبنات اللبون ولم يرد خير جميع المال وهو الصحيح ، وبه قال أبو علي بن خيران ، ومنهم من قال : أراد بخير المعيب أوساطها ، كما قال الله سبحانه : كنتم خير أمة أخرجت للناس ، [ آل عمران : 110 ] يعني : وسطا ، لأنه قال تعالى في آية أخرى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، [ البقرة : 143 ] ، ومن قال بهذا السهم في اعتبار الأوسط وجهان :

                                                                                                                                            [ ص: 99 ] أحدهما : أوسطها عيبا .

                                                                                                                                            مثال ذلك : أن يكون ببعضها عيب واحد ، وببعضها عيبان ، وببعضها ثلاثة عيوب ، فيأخذ ما له عيبان .

                                                                                                                                            والثاني : أوسطها في القيمة .

                                                                                                                                            مثال ذلك : أن تكون قيمة بعضها معيبا خمسين وقيمة بعضها مائة ، وقيمة بعضها معيبا مائة وخمسين ، فيأخذ منها ما قيمته مائة من الإبل ، لأنه أوسطها قيمة فحصل لهم في ذلك أربعة مذاهب أصحها وأولاها ما قاله ابن خيران : أنه يأخذ خير الفرضين لا غير ، وقد نص عليه الشافعي في " الأم " فقال : " يأخذ خير المعيب من السن التي وجبت عليه " .

                                                                                                                                            والمذهب الثاني : وهو أظهرها غلطا ، وأضعفها : يأخذ خير المال كله .

                                                                                                                                            والمذهب الثالث : يأخذ أوسطها عيبا .

                                                                                                                                            والمذهب الرابع : يأخذ أوسطها قيمة ، قال الشافعي نصا في كتاب الأم : وإذا كان جميع ماله مراضا والفرض منها موجودا ، لم يحل له العدول عنه إلى الصعود وأخذ الجبران ، ولا إلى النزول ودفع الجبران ؛ لوجود السن المفروض ، ولو كان الفرض معدوما في ماله فإن أراد أن ينزل إلى سن أدنى ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما جبرانا للسن الناقص جاز ، لأنه إذا جاز قبوله في الجبران عن سن صحيح جاز قبوله عن سن مريض ، وإن أراد أن يصعد إلى سن أعلى ويأخذ الجبران لم يجز ؛ لأن ذلك جبران في سن صحيح ، فلم يجز للمصدق أن يجعله جبرانا في سن مريض ، فإن أعطى الأعلى متطوعا بالزيادة جاز قبوله ، والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية