الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقسام الموهوب

جزء التالي صفحة
السابق

فرع

الموهوب ، إما أن لا يكون باقيا في سلطنة المتهب ، وإما أن يكون . القسم الأول : أن لا يكون بأن أتلف ، أو زال ملكه عنه ببيع ، أو غيره ، أو وقفه ، أو أعتقه ، أو كاتبه ، أو استولدها ، أو وهبه وأقبضه ، أو رهنه وأقبضه ، فلا رجوع له ، ولا قيمة أيضا . وحكى الإمام خلافا ، في أن الرهن هل يمنع الرجوع ، مبنيا على ما سبق من صحة هبة المرهون ؟ فإن قلنا : لا تصح ، لم يصح الرجوع ، وإلا ، توقفنا . فإن فك الرهن ، بان صحة الرجوع ، وذكر أيضا ترددا في كتابة العبد بناء على صحة بيعه . ولا يمتنع الرجوع بالرهن والهبة إذا لم يقبضا ، ولا بالتدبير وتعليق العتق بصفة ، ولا بزراعة الأرض وتزويج الأمة قطعا ، [ ص: 381 ] ولا بالإيجار على المذهب ، وبه قطع الأكثرون ، وتبقى الإجارة بحالها كالتزويج . وقال الإمام : إن صححنا بيع المستأجر ، رجع ، وإلا ، فإن جوزنا الرجوع في المرهون وتوقفنا ، صح الرجوع هنا ولا توقف ، بل الرقبة للراجع ، ويستوفي المستأجر المنفعة إلى انقضاء المدة . وإن منعنا الرجوع في المرهون ، ففي المستأجر تردد ، وخرج على هذا ترددا فيما إذا أبق العبد الموهوب من يد المتهب ، هل يصح رجوع الواهب ، مع قولنا : لا تصح هبة الآبق ، لأن الهبة تمليك مبتدأ ، والرجوع بناء فيسامح فيه ؟ ولو جنى وتعلق الأرش برقبته ، فهو كالمرهون في امتناع الرجوع . لكن لو قال : أنا أفديه وأرجع ، مكن ، بخلاف ما لو كان مرهونا ، فأراد أن يبذل قيمته ويرجع ، لما فيه من إبطال تصرف المتهب . ولو زال ملك المتهب ، ثم عاد بإرث ، أو شراء ، ففي عود الرجوع وجهان . وقال الغزالي : قولان . أصحهما : المنع . واحتج أبو العباس الروياني لهذا الوجه ، بأنه لو وهب لابنه ، فوهبه الابن لجده ، فوهبه الجد لابن ابنه الذي وهبه ، فإن حق الرجوع للجد الذي حصل منه هذا الملك ، لا للأب ، ولا يبعد أن يثبت القائل الأول الرجوع لهما جميعا . ولو وهب له عصيرا فصار خمرا ، ثم صار خلا ، فله الرجوع على المذهب . وحكى بعضهم وجهين في زوال الملك بالتخمر ، ووجهين في عود الرجوع تفريعا على الزوال . وإذا انفك الرهن أو الكتابة بعجز المكاتب ، ثبت الرجوع على المذهب . ولو حجر على المتهب بالفلس ، فلا رجوع على الأصح كالرهن . وقيل : يرجع ، لأن حقه سابق ، فإنه يثبت من حين الهبة .

قلت : ولو حجر عليه بالسفه ، ثبت الرجوع قطعا ، لأنه لم يتعلق به حق غيره ، قاله المتولي وآخرون . والله أعلم .

ولو ارتد وقلنا : لا يزول ملكه ، ثبت الرجوع . وإن قلنا : يزول ، فلا . فإن [ ص: 382 ] عاد إلى الإسلام ، ثبت الرجوع على المذهب . وقيل : على الخلاف فيما لو زال ملكه ثم عاد . ولو وهب الابن المتهب الموهوب لابنه ، أو باعه له ، أو ورثه منه ، فلا رجوع للجد على المذهب .

قلت : ولو وهبه المتهب لأخيه من أبيه ، قال في " البيان " : ينبغي أن لا يجوز للأب الرجوع قطعا ، لأن الواهب لا يملك الرجوع ، فالأب أولى . ولا يبعد تخريج الخلاف لأنهم عللوا الرجوع بأنه هبة لمن للجد الرجوع في هبته ، وهذا موجود هنا . والله أعلم .

القسم الثاني : أن يكون باقيا في سلطنة المتهب ، فإن كان بحاله ، أو ناقصا ، فله الرجوع ، وليس على المتهب أرش النقص ، وإن كان زائدا ، نظر ، إن كانت الزيادة متصلة ، كالسمن وتعلم صنعة ، رجع فيه مع الزيادة . وإن كانت منفصلة كالولد ، والكسب ، رجع في الأصل وبقيت الزيادة للمتهب . وإن وهب جارية أو بهيمة حاملا ، فرجع قبل الوضع ، رجع فيها حاملا . وإن رجع بعد الوضع ، فإن قلنا : للحمل حكم ، رجع في الولد مع الأم ، وإلا ، ففي الأم فقط . وإن وهبها حائلا ورجع وهي حامل ، فإن قلنا : لا حكم للحمل ، رجع فيها حاملا ، وإلا ، فلا يرجع إلا في الأم ، وهل له الرجوع في الحال ، أم عليه الصبر إلى الوضع ؟ وجهان . ولو وهبه حبا فبذره ونبت ، أو بيضا فصار فرخا ، فلا رجوع ، لأن ماله مستهلك قال البغوي : هذا إذا ضمنا الغاصب بذلك ، وإلا ، فقد وجد عين ماله فيرجع . ولو كان الموهوب ثوبا فصبغه الابن ، رجع في الثوب ، والابن شريك بالصبغ . ولو قصره ، أو كانت حنطة فطحنها ، أو غزلا فنسجه ، فإن لم تزد قيمته ، رجع ولا شيء للابن . وإن زادت ، فإن قلنا : القصارة عين ، فالابن شريك . وإن قلنا : أثر ، فلا شيء له . ولو كان أرضا فبنى فيها أو غرس ، [ ص: 383 ] رجع الأب في الأرض ، وليس له قلع البناء والغراس مجانا ، لكنه يتخير بين الإبقاء بأجرة ، أو التملك بالقيمة ، أو القلع . وغرامة النقص كالعارية . ولو وطئ الابن الموهوبة ، قال ابن القطان : لا رجوع وإن لم تحبل ، لأنها حرمت على الأب ، والصحيح : ثبوت الرجوع .

فرع

فيما يحصل به الرجوع

يحصل بقوله : رجعت فيما وهبت ، أو ارتجعت ، أو استرددت المال ، أو رددته إلى ملكي ، أو أبطلت الهبة ، أو نقضتها وما أشبه ذلك ، هكذا أطلقوه . وحكى الروياني في " الجرجانيات " وجهين في أن الرجوع نقض ، وإبطال للهبة ، أم لا ؟ فعلى الثاني : ينبغي أن لا يستعمل لفظ النقض ، والإبطال ، إلا أن يجعل كناية عن المقصود . وذكر الروياني هذا ، أن اللفظ الذي يحصل به الرجوع ، صريح وكناية فالصريح : رجعت . والكناية تفتقر إلى النية ، كأبطلت الهبة ، وفسختها . فلو لم يأت بلفظ ، لكن باع الموهوب ، أو وهبه لآخر ، أو وقفه ، فثلاثة أوجه . أصحها : لا يكون رجوعا . والثاني : رجوع وينفذ التصرف . والثالث : رجوع فلا ينفذ التصرف . ولو أتلف الطعام الموهوب ، أو أعتق العبد ، أو وطئ ، لم يكن رجوعا على الأصح . والثاني : رجوع . وأشار الإمام إلى وجه ثالث : أنه إن أحبلها بالوطء وحصل الاستيلاد ، كان رجوعا ، وإلا ، فلا . فعلى الأصح : يلزمه بالإتلاف القيمة ويلغو الإعتاق ، وعليه بالوطء مهر المثل ، وباستيلاد القيمة .

قلت : ولا خلاف أن الوطء حرام على الأب وإن قصد به الرجوع ، كذا [ ص: 384 ] قاله الإمام ، لاستحالة إباحة الوطء لشخصين ، ولا خلاف أن المتهب يستبيح الوطء قبل الرجوع . لكن إذا جرى وطء الأب الحرام ، هل يتضمن الرجوع ؟ فيه الخلاف . والله أعلم .

ولو صبغ الثوب الموهوب ، أو خلط الطعام بطعام نفسه ، لم يكن رجوعا ، بل هو كما لو فعل الغاصب ذلك .

فرع

الرجوع في الهبة حيث يثبت ، لا يفتقر إلى قضاء القاضي . وإذا رجع ولم يسترد المال ، فهو أمانة في يد الولد ، بخلاف المبيع في يد المشتري بعد فسخ البيع ، لأن المشتري أخذه على حكم الضمان .

فرع

لو اتفق الواهب والمتهب على فسخ الهبة حيث لا رجوع ، فهل ينفسخ كما لو تقايلا ، أم لا كالخلع ؟ فيه وجهان عن " الجرجانيات " .

قلت : لا يصح الرجوع إلا منجزا . فلو قال : إذا جاء رأس الشهر ، فقد رجعت ، لم يصح . قال المتولي : لأن الفسوخ لا تقبل التعليق . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث