الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        نقل التراب من الأرض المغصوبة ، تارة يكون من غير إحداث حفر ، ككشط وجهها ، وتارة بإحداثها كحفر بئر أو نهر . ففي الحالة الأولى ، للمالك إجباره على رده إن كان باقيا . فإن تلف وانمحق بهبوب الريح أو السيول ، أجبره على رد مثله إليه ، وعليه إعادة وضعه وهيئته كما كان من انبساط أو ارتفاع . وإن لم يطالبه المالك بالرد ، نظر ، إن كان له غرض ، بأن دخل الأرض نقص يرتفع بالرد ويندفع عنه الأرش ، أو نقله إلى ملكه وأراد تفريغه ، أو إلى ملك غيره ، أو شارع [ ص: 40 ] يخاف من التعثر به الضمان ، فله الاستقلال بالرد . وإن لم يكن شيء من ذلك ، بأن نقله إلى موات ، أو من أحد طرفي الأرض المغصوبة إلى الطرف الآخر ، فإن منعه المالك من الرد ، لم يرد ، وإن لم يمنعه ، فهل يفتقر الرد إلى إذنه ؟ وجهان : بناء على الوجهين في أنه لو منعه فخالف ورد ، هل للمالك تكليفه النقل ثانيا ؟ إن قلنا : لا ، فله الرد بغير إذنه ، وإلا فلا ، وهو الأصح . وإذا كان له غرض في الرد فرده ، فمنعه المالك من بسطه ، لم يبسطه وإن كان في الأصل مبسوطا .

                                                                                                                                                                        الحالة الثانية : إذا حفر بئرا فأمره المالك بطمها لزمه ، وإلا فله أن يستقل به ليدفع عن نفسه خطر الضمان بالسقوط فيها . وقال المزني : لا يطم إلا بإذن المالك . فإن منعه وقال : رضيت باستدامة البئر ، فإن كان للغاصب غرض

                                                                                                                                                                        [ في الطم ] سوى دفع ضمان السقوط فله الطم ، وإلا فلا في الأصح ، ويندفع عنه الضمان لخروجه عن أن يكون جناية وتعديا . فلو لم يقل : رضيت باستدامتها ، واقتصر على المنع من الطم ، قال المتولي : هو كما لو صرح بالرضا ، لتضمنه إياه . وقال الإمام : لا يتضمنه . ولو طوى الغاصب البئر بآلة نفسه فله نقلها ، وللمالك إجباره عليه . فإن تركها ووهبها له ، لم يلزمه القبول على الأصح . وحيث قلنا في الحالتين : يرد التراب إلى موضعه لوقوعه في ملكه أو شارع فذلك إذا لم يتيسر نقله إلى موات ونحوه في طريق الرد . فإن تيسر لم يرد إلا بإذن قاله الإمام وذكر أنه إنما يستقل بالطم إذا بقي التراب الأول بعينه . أما إذا تلف ، ففي الطم بغيره بغير إذن المالك وجهان .

                                                                                                                                                                        وينبغي أن يجيء هذا الخلاف في الحالة الأولى ، وفيما إذا طلب المالك الرد والطم عند تلف ذلك [ التراب ] ، والأصح فيهما جميعا ، لأنه لا فرق بين ذلك التراب وغيره ، ثم إذا أعاد هيئة الأرض في الحالين كما كانت ، إما بطلب [ ص: 41 ] المالك ، وإما دونه ، نظر ، إن لم يبق في الأرض نقص ، فلا شيء عليه ، ولكن عليه أجرة المثل لمدة الحفر والرد ، وإن بقي لزمه أرشه مع الأجرة . هذا الذي ذكرناه من أول الفصل إلى هنا هو المذهب والذي يفتى به ، ووراءه تصرف للأصحاب قالوا : نص هنا : أنه يجب أرش النقص الحاصل بالحفر ، ولم يوجب التسوية لأنه نص على ذلك فيما إذا غرس الأرض المغصوبة ثم قلع بطلب المالك . ونص فيما إذا باع أرضا فيها أحجار مدفونة فنقلها : أنه يلزمه التسوية . فقيل قولان فيهما ، وقيل بتقرير النصين ، والفرق ضعيف . وكلام الغزالي يوهم ظاهره خلاف ما ذكرناه ، فليتأول على ما بيناه .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية