الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن البكاء على الميت

وحدثني عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أنها سمعت عائشة أم المؤمنين تقول وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول إن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودية يبكي عليها أهلها فقال إنكم لتبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها

التالي السابق


553 555 - ( مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ( عن أبيه ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية ( أنها أخبرته ) أي أبا بكر ( أنها سمعت عائشة أم المؤمنين تقول و ) قد ( ذكر لها ) من ابن عباس كما في الصحيح ( أن عبد الله بن عمر يقول ) عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عمر ( إن الميت ليعذب ببكاء الحي ) الظاهر أنه مقابل الميت ، ويحتمل القبيلة ، واللام بدل من الضمير ، أي حيه أي قبيلته ، فيوافق رواية ابن أبي مليكة ببكاء أهله . وفي رواية لمسلم : " من يبكى عليه يعذب " ولفظها أعم ، وفيه أنه ليس خاصا بالكافر ( فقالت عائشة : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ) كنية ابن عمر ، وهذا من الآداب الحسنة قدمته تمهيدا ودفعا لما يوحش من نسبته إلى النسيان والخطأ ( أما إنه لم يكذب ) أي لم يتعمده حاشاه من ذلك وإلا فالكذب عند أهل السنة : الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عمدا أو نسيانا ، ولكن الإثم يختص بالعامد ( ولكنه نسي أو أخطأ ) في الفهم ، فحدث بما ظنه صوابا ( إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودية [ ص: 107 ] يبكي عليها أهلها ، فقال : إنكم لتبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها ) بعذاب الكفر لا بسبب البكاء ، ولم ينفرد ابن عمر برواية ذلك ، بل رواه أبوه وصهيب بن سنان كما في الصحيحين من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عمر : " أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " فقال ابن عباس : لما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول : واأخاه واصاحباه ، فقال عمر : يا صهيب أتبكي علي وقد قال صلى الله عليه وسلم : " إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه " قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت : يرحم الله عمر ، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله ، وقالت : حسبكم القرآن : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ( سورة الأنعام : الآية 164 ) قال ابن عباس : والله هو أضحك وأبكى . قال ابن أبي مليكة : والله ما قال ابن عمر شيئا .

وفي الصحيحين أيضا عن أبي موسى : " لما أصيب عمر جعل صهيب يبكي ويقول : يا أخاه ، فقال عمر : أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء الحي ؟ " وفيه دلالة أن صهيبا سمعه من المصطفى أيضا وكأنه نسيه حتى ذكره به عمر . قال القرطبي : ليس سكوت ابن عمر لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث ، ولكن احتمل عنده قبوله للتأويل ، ولم يتعين له محمل يحمله عليه حينئذ ، أو كان المجلس لا يقبل المماراة ، ولم تتعين الحاجة إليها حينئذ ، ويحتمل كما أشار إليه الكرماني أن ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته ; لأنها يمكن أن يتمسك بها في أن الله له أن يعذب بلا ذنب ، ويكون بكاء الحي علامة على ذلك . وقال الخطابي : الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن ، وقد رواه عمر وابنه ، وليس فيما حكت عائشة ما يدفع روايتهما ، فالخبران معا صحيحان ولا منافاة بينهما ، فالميت إنما يعذب إذا أوصى بذلك في حياته ، وكان ذلك مشهورا في العرب موجودا في أشعارهم كقول طرفة :


إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد



وعلى هذا حمل الجمهور حديث عمر وابنه ، وقال النووي : إنه الصحيح ، وأجمعوا على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين ، انتهى .

واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية بمجرد صدورها ، والحديث دال على أنه إنما يقع عند امتثالها ، وأجيب بأنه لا حصر في السياق فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا ، وحمل أيضا على من كانت عادته النوح والبكاء فمشى أهله على عادته ، وحمل أيضا على من أهمل نهي أهله على ذلك ، قال ابن المرابط : إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وعرف من شأن أهله فعله ولم يعلمهم بحرمته ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك فبفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده ، وبأن معنى الحديث أنه يعذب بنظير ما يبكيه به أهله ; [ ص: 108 ] لأن الأفعال التي يعددون بها عليه غالبا من الأمور المنهية ، فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنعه عين ما مدحوه به ، وقيل : معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به كما رواه أحمد عن أبي موسى مرفوعا : " الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة : واعضداه ، واناصراه ، واكاسباه ، جبذ الميت وقيل له : أنت عضدها ، أنت ناصرها ، أنت كاسبها " . ورواه الترمذي وابن ماجه بنحوه .

وفي البخاري عن النعمان بن بشير قال : " أغمي على ابن رواحة فجعلت أخته تبكي وتقول : واجبلاه واكذا واكذا ، فقال حين أفاق ، ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك " وقيل : معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها . واختاره ابن جرير ، ورجحه ابن المرابط وعياض وتبعه جماعة ، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة : " قلت يا رسول الله قد ولدته فقاتل معك ، ثم أصابته الحمى فمات ، ونزل علي البكاء ، فقال صلى الله عليه وسلم : أيغلب أحدكم أن يصحب صويحبه في الدنيا معروفا فإذا مات استرجع ، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه ، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم " . الحديث أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم . قال ابن المرابط : هذا نص في المسألة فلا يعدل عنه ، واعترضه ابن رشيد بأنه ليس نصا في أن المراد صويحبه الميت بل يحتمل أنه صاحبه الحي ، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه وقيل غير ذلك ، قال الحافظ : ويحتمل الجمع بتنزيل هذه التوجيهات على اختلاف الأشخاص ، فمن كانت طريقته النوح فمشى أهله عليها فأوصاهم بذلك عذب بصنعه ، ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائزة عذب بما ندب به ، ومن علم من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها راضيا بذلك التحق بالأول ، وإن كان غير راض عذب بالنوح ; لأنه أهمل النهي ، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهاهم ثم خالفوه ، فعذابه تألمه بما يراه منهم من مخالفة وإقدامهم على معصية ربه ، وهذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك ، لكن اختصره فقال : سمعت عائشة تقول : إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره ، ومسلم عن قتيبة بن سعيد عن مالك به تاما .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث