الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب الحسبة في المصيبة

حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم

التالي السابق


13 - باب الحسبة في المصيبة

الحسبة : الصبر والتسليم قاله أبو عمر .

554 556 - ( مالك ، عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن سعيد بن المسيب ) بن [ ص: 109 ] حزن ( عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يموت لأحد ) ذكر أو أنثى ( من المسلمين ) خرج الكافر ، قال الحافظ : لكن هل يحصل ذلك لمن مات له أولاد في الكفر ثم أسلم ؟ فيه نظر ، ويدل على عدم ذلك حديث أبي ثعلبة الأشجعي قال : " قلت : يا رسول الله مات لي ولدان ، فقال : من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة " . وحديث عمرو بن عبسة مرفوعا : " من مات له ثلاثة أولاد في الإسلام قبل أن يبلغوا أدخله الله الجنة " . رواهما أحمد .

( ثلاثة من الولد ) بفتحتين ، وهو يشمل الذكر والأنثى الصلبية على الظاهر لرواية النسائي من حديث أنس : ثلاثة من صلبه ، وكذا في حديث عقبة بن عامر ، وفي دخول أولاد الأولاد بحث ، ويظهر أن أولاد الأولاد الصلب يدخلون ولا سيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب ، والتقييد بقوله من صلبه يدل على إخراج ولد البنات ، وزاد في الصحيح من حديث أنس : لم يبلغوا الحنث . وكذا لابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ، وعلقه البخاري ، وهو بكسر المهملة وسكون النون ومثلثة ، على المحفوظ أي الحلم ، وخص الصغير بذلك ; لأن الشفقة عليهم أعظم والحب لهم أشد والرحمة أوفر ، فمن بلغ الحنث لا يحصل لفاقده هذا الثواب المذكور ، وإن كان له أجر ، وبهذا صرح كثير ، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة بخلاف الصغير ، فلا يتصور منه لعدم خطابه .

وقال الزين ابن المنير : بل يدخل الكبير بطريق الفحوى ; لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كل على أبويه ، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي ووصل له منه النفع وتوجه إليه الخطاب بالحقوق ، ويقوي الأول قوله في بقية حديث أنس : بفضل رحمته إياهم ; لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم ، وهل يلحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلا وبقي كذلك حتى مات ، فيه نظر ; لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق ، وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه ، ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدة الحب ولا عدمه ، والقياس يقتضي ذلك لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده وتبرمه به ولا سيما من كان ضيق الحال ، لكن لما كان الولد مظنة المحبة والشفقة نيط به الحكم وإن تخلف في بعض الأفراد .

( فتمسه النار ) بالنصب جوابا للنفي ( إلا تحلة ) بفتح الفوقية وكسر الحاء وشد اللام أي ما ينحل به ( القسم ) وهو اليمين ، أي قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها ) ( سورة مريم : الآية 71 ) عند الجمهور ، وقيل معناه تقليل أمر ورودها ، وهذا لفظ يستعمل ، يقال ما ضربته إلا تحليلا ، إذا لم يبالغ في الضرب ، أي قدرا يصيبه منه مكروه ، وقيل الاستثناء بمعنى الواو ، أي لا تمسه النار كثيرا ولا قليلا ولا تحلة القسم ، وقد جوز الفراء والأخفش مجيء إلا بمعنى الواو وجعلا منه : ( لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ) ( سورة النمل : الآية 10 ، 11 ) قال [ ص: 110 ] الخطابي : معنى الحديث لا يدخل النار ليعاقب بها ولكنه يدخلها مجتازا ، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحل به الرجل يمينه ، ويدل عليه ما لعبد الرزاق عن معمر عن الزهري في آخر هذا الحديث ، يعني الورود ، ولسعيد بن منصور عن زمعة بن صالح عن الزهري قيل : وما تحلة القسم ؟ قال : قوله : ( وإن منكم إلا واردها ) وكذا حكاه عبد الملك بن حبيب عن مالك وسعيد بن منصور عن ابن عيينة .

وروى الطبراني نحوه عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري مرفوعا : " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل " يعني الجواز على الصراط ، واختلف في موضع القسم من الآية فقيل مقدر هو والله وإن منكم ، وقيل معطوف على القسم الماضي في قوله : ( فوربك لنحشرنهم ) ( سورة مريم : الآية 68 ) أي وربك إن منكم . وقيل مستفاد من قوله : ( حتما مقضيا ) أي قسما واجبا وبه فسر ابن مسعود الآية ومجاهد وقتادة ، أخرجها الطبراني وغيره . وقال الطيبي : يحتمل أن المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق فإن قوله : ( كان على ربك ) ( سورة مريم : الآية 71 ) تذييل وتقرير لقوله : ( وإن منكم ) فهو بمنزلة القسم أو أبلغ ; لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات .

وروى أحمد والنسائي والحاكم عن جابر مرفوعا : الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما . وروى الترمذي عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا : " يردونها أو يلجونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم " وقيل الورود : المرور عليها ، رواه الطبري وغيره عن أبي هريرة وابن مسعود وقتادة وكعب الأحبار وزاد : سيورد كل على متنها ، ثم ينادي مناد أمسكي أصحابك ودعي أصحابي ، فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم " وهذان القولان أصح ما ورد ولا تنافي بينهما ; لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور ; لأن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها ، لكن تختلف أحوالهم باختلاف أعمالهم ، فأعلاهم من يمر كلمح البصر ، كما فصل في حديث الشفاعة ، ويؤيد صحة هذا التأويل ما في مسلم : " أن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ، لما قال لا يدخلها أحد شهد الحديبية ، أليس الله يقول : ( وإن منكم إلا واردها ) ؟ فقال : أليس الله يقول : ( ثم ننجي الذين اتقوا ) ( سورة مريم : الآية 72 ) الآية " وفي هذا ضعف القول إن الورود مختص بالكفار ، والقول بأن معناه الدنو منها ، والقول بأنه الإشراف عليها ، وقيل معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى على أن هذا الأخير ليس ببعيد ولا ينافيه بقية الأحاديث ، انتهى ملخصا . والحديث أخرجه البخاري في الأيمان والنذور عن إسماعيل ، ومسلم في البر عن يحيى كلاهما عن مالك به ، وتابعه ابن عيينة ومعمر عند مسلم قائلا : إلا أن في حديث سفيان فيلج النار إلا تحلة القسم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث